وفى خضم التواصل والاتصال اللاسلكى بين «أيلا» و«عزيز زهارا» تكتب أيلاتنا رسالة إلى عزيزها قائلة: «عزيزى عزيز.. قلت فى إحدى رسائلك السابقة إن فكرة أننا نستطيع التحكم بمسيرة حياتنا إذا اتخذنا خيارات عقلانية فكرة سخيفة مثل سمكة تحاول أن تتحكم بالمحيط الذى تسبح فيه».. وتكمل له بأنها بدأت ومن خلال كلماته تنتبه إلى معنى أن المرء لا يجب أن يعتقد جازماً بأنه يعرف نفسه جيداً؛ لأن ذلك يؤدى إلى توقعات خاطئة وإحباطات مع الحياة ومجرياتها وتعترف له بأن نزعتها للتحكم والسيطرة كأمٍّ صارمة لديها الكثير من القواعد الحازمة كانت أمراً خاطئاً، حتى إن وصل الأمر إلى أن أتهمتها ابنتها ذات يوم بأنها كرجال العصابات!!
والرسالة هى: ليست الدنيا مسألة حسابية عبارة عن معطيات ونتائج، بل هى بالأساس قدر ومصير ومزيج بين تسيير وتخيير ولا يسعنا الجزم بأى شىء ولا التأكد من أى شىء.
فعقلنا البشرى المحدود وإرادتنا التى بلا حدود يقفان عاجزين أمام تصاريف القدر ومشيئة الله؛ لهذا كان من السخف ومن تضييع الوقت إفسادنا لواقعنا بكثرة توقعنا.
وتكمل «أيلا» فى رسالتها الحديث عن نفسها فتقول إنها طوال عمرها لم تكن متدينة وإن عبارة «ليكن ما يكون» لم تكن فى قاموسها؛ فهى لا تستطيع السير مع التيار. وتكمل أن علاقتها مع التدين لم تكن عميقة لهذه الأسباب؛ فهى لم تسلم الأمر يوماً للقدر ولا للقدريات، وكانت ترى دائماً أن هذا مطاوعة وإذعان لا يلائمان الحياة المعاصرة، وتعتذر له عن نفورها من الدين والتدين وأنها أرادت إعلامه بهذا لأنها تهتم به ولأن نظرتها للحياة مغايرة لنظرته الصوفية المتأملة والمسلمة للقدر والعميقة الصلة بالله، ورسالتى: أن «أيلا» كالكثيرين، لا تستطيع التفرقة بين التدين والروحانيات، وهو الفرق بين الديانات والمعتقدات؛ فالدين والتدين يلزمان الإنسان بطقوس وواجبات، أما الروحانيات فهى تطبيق مطلق لأساس وروح الديانات دون الالتزام بطقوس وواجبات الديانات، أو خلق طقوس جديدة خاصة بها كحلقات ذكر الصوفيين وممارسة اليوجا والتأمل فى بلاد الشرق، وكل من الديانات أو الروحانيات يجمعهما الإيمان بالقضاء والقدر، أى الإيمان بمشيئة الله وتسليم الأمر له من قبل ومن بعد، وهو الإذعان الذى لم تقبله «أيلا» كامرأة تعتقد فى نفسها التقدم والحرية وترى أن التسليم للقدر يتنافى مع هذه المبادئ.
ويأتى رد «عزيز» مؤكداً للفكرة ومخالفاً لـ«أيلا»: «العزيزة أيلا، المقاتلة فى حرب العصابات، وصلتنى رسالتك وأنا أتهيأ لمغادرة أمستردام إلى ملاوى؛ فقد كُلفت بالتقاط صور لأناس فى قرية ينتشر فيها الإيدز ويوجد فيها عدد كبير من اليتامى».. ويكمل فى محاولة لشرح معنى القدر والإيمان به، قائلاً إنه ينتوى الرجوع من رحلته بعد أربعة أيام ولكنه فقط يأمل ذلك وكل ما يستطيع فعله حيال أمانيه أن يأخذ بالأسباب ويستعد لتحقيقها بأن يأخذ تجهيزات رحلته ويأمل بعيش يوم آخر، أما ما تبقى فإنه فليس بيده، وهو ما يطلق عليه الصوفيون العنصر الخامس أو الفراغ (العنصر الإلهى)، الذى لا يمكن تفسيره، ومع ذلك يجب أن ندركه طوال الوقت. وينفى عن نفسه صفة التقاعس ويفرق بينه وبين الإيمان بالقدر ويحكى لها أن كل إنسان يقيم عهداً مع الله وأنه هو شخصياً كان عهده أن يطيع الله ما استطاع وأن يترك الباقى له وحده وبأنه يوقن أن هناك أشياء تتجاوز حدوده وإدراكه، وهو بهذا ليس متديناً كما تعتقده، بل هو رجل روحانى، وكلا الأمرين مختلف ويفسر لها معنى الروحانيات بضرب مثل لحال العالم اليوم؛ فالعالم الآن بات يهتم بالروحانيات كموضة عصر هروباً من مادية الحياة، لكن دون ممارسة حقيقية وعميقة للروحانيات؛ بحيث تؤثر وتغير فى سلوكياته وبحيث تضيف الجديد كل يوم لعالم البشرية، ولخلطة أو طبخة البشرية، كما تخيل «التبريزى» العالم أنه إناء طهو ضخم يضع كل فرد فيه مكوناً خاصاً إلى أن تكتمل طبخة البشرية، ويسألها «عزيز»: «لكن ماذا عنك أنت عزيزتى أيلا؟ ما المكونات التى تظنين أنك تضيفينها إلى حساء البشرية المشترك؟ عندما أفكر فيك فإن المكون الذى أضيفه هو ابتسامة عريضه مع كل الحب» - «عزيز».
ورسالتى هى: اختَر المكون الذى يناسبك والذى يعبر عنك ولكن حذارِ من أن تفسد حساء البشرية المشترك، قدم للعالم أجمل ما فيك وأنبل ما بك لتسعد روحك ويهنأ عيشك وكى يراك الآخرون كما رأى عزيز أيلا طيفاً باسماً، بل إنها ابتسامة عريضة، أى خير وبهجة وأمل وصدق، اختر مكونك الخاص وقدمه فوراً، لا تنتظر.