قبل أن أجيب عن هذا السؤال المهم أرى أن نقف عند مفهوم الشفافية، فهى فى اللغة تعنى الشىء الشفاف الذى لا يحجب ما وراءه، فمعنى «شف» أى «رق» حتى يرى ما خلفه، أى تعنى الوضوح، وهى عكس التعتيم والسرية، ولعل استخدام هذه الكلمة اصطلاحاً لا يختلف كثيراً عن معناها اللغوى.
فالشفافية هى الصدق فى حياتنا، والصدق يعنى قيمة وليس شعاراً، وهى قيمة موجودة، ويجب أن تُكرّس فى حياتنا على صعيد المنزل والعمل والمجتمع والوطن، وفى كل مؤسسات الدولة.
وتُعدّ الشفافية أحد أهم مبادئ الحكم الرشيد، وتعود هذه الأهمية إلى أنها السلاح الأول لمحاربة الفساد والاختلاسات والتربيطات التى كثيراً ما نسمع عنها. فغياب الشفافية هو الذى يفتح الباب على مصراعيه لعقد صفقات الفساد من تحت الطاولة، أما مع وجود الشفافية فإنه يصعب حينها إساءة استخدام السلطة لصالح فئة تعمل فى الخفاء.
والشفافية تهدف إلى: تحسين صورة الوطن محلياً ودولياً فى مجال الإصلاح ومناهضة الفساد، ونشر القيم الفاضلة فى المجتمع التى تدعو إلى الإصلاح ومحاربة الفساد، وتنمية ثقافة المجتمع فى مجال الإصلاح ونشر المبادئ والقيم الداعية إلى إيجاد مجتمع خالٍ من جميع أشكال الفساد ومناهضة سوء استعمال السلطة، والسعى إلى تفعيل كافة القوانين والقرارات الداعمة للشفافية، وتحديد مواطن القصور التشريعى واللائحى فى مجال الإصلاح ومحاربة الفساد، والكشف عن مواطن الفساد فى المجتمع وتشخيصها ودراستها والبحث عن أسبابها واقتراح وسائل علاجها وتلافيها، ونشر الوعى بماهية الفساد.
معنى ذلك أن مصادر الدخل وأوجه الإنفاق تكون واضحة، فميزانية الدولة متاح معرفتها للجميع، ومشاريع الدولة وقيمتها الحقيقية متاحة أيضاً حتى يمكن محاسبة المسئولين بعد ذلك عن أى خسائر أو تغيير يحدث فيما هو مخطط له، ولهذا فلا عجب أن نجد مثلاً فى بعض الدول الديمقراطية أن يُتهم رئيس أو وزير بالرشوة أو الفساد، وذلك على مرأى ومسمع من الناس، لأن الرقابة أمانة وضعها الشعب فى أعناقهم، ومن حق الشعب أن يعرف أين هو وإلى أين يتجه؟.
وهناك مجموعة من العوامل لبناء المجتمع الداعم للشفافية والمناهض للفساد منها: تعزيز قيمة الصدق فى حياتنا من خلال التأكيد على أن الشفافية ليست مطلباً فقط بل هى قيمة تربوية وسياسية وأخلاقية، وتعزيز البناء الديمقراطى فى حياتنا على الفرد والمجتمع ومنح المواطن كامل حقوقه، وأهمها حقه فى عملية صنع القرار على كافة الأصعدة، والتأكيد على أن المحاسبة هى حق من حقوق المواطنين تجاه السلطة كإحدى الضمانات الأساسية لتعزيز الديمقراطية فى المجتمع وبناء مجتمع شفاف، وتوفير سيادة القانون والفصل بين السلطات واحترام حقوق المواطن على اختلافها الذى يعد من أهم الأسس التى يعتمد عليها فى بناء بيئة سليمة للشفافية، وإذا استلزم الأمر يتم إصدار تشريعات وقوانين تساعد على ذلك، وتعزيز دور الإعلام الشفاف نظراً لما يلعبه هذا الإعلام سواء كان عاماً أو خاصاً فى تحريك عملية التغيير الاجتماعى والتربوى عبر وسائل أكثر انتشاراً وأكثر قدرة على الدخول إلى أبعد وأصعب المعاقل، واستغلال التراث الحضارى والسياسى والدينى فى زرع روح القدوة والشفافية فى حياة المواطن والمجتمع وعدم تناسى ذلك، وحماية النزاهة، ويجب أن تتبناها الجهات التعليمية كلها والجهات الإعلامية وخطباء المساجد ومَن فى حكمهم، فهذه الجهات يجب أن تغرس القيمة الأخلاقية فى نفوس الجميع. تلك القيم التى ترفض الفساد بكافة أنواعه وتطلب من جميع فئات المجتمع الابتعاد عن الفساد ومحاربته ونشر الشفافية، وتعزيز مساحات الحريات المدنية، وخاصة حرية الصحافة، وتعزيز وتقوية واستقلالية الأجهزة الرقابية، وفرض عقوبات رادعة بحق من يمارس الفساد أياً كان موقعه.
ومن ثَم أقول: على كل مؤسسات الدولة، بداية من الرئيس مروراً بالحكومة والمحافظين إلى أصغر مسئول فى البلد، أن تجعل الشفافية سبيلاً لها، لأن غياب الشفافية وغموضها يجعلان المجتمع فى غياب تام عمّا يحدث من حوله، وربما يدفعه إلى مواجهة ذلك بالاعتصامات والإضرابات.