لغتنا الجميلة.. حضور عالمي وغياب عربي
فى يوم السبت الموافق الثامن عشر من ديسمبر الحالى، احتفلت الأمم المتحدة باليوم العالمى للغة العربية، حيث عقدت المنظمة الدولية الأهم فى عالم اليوم عدة فعاليات تحت عنوان «اللغة العربية والتواصل الحضارى». وفى بيان عبر موقعها الإلكترونى، قالت الأمم المتحدة إن الاحتفالات والفعاليات المختلفة تهدف إلى «إبراز الدور التاريخى الذى تضطلع به اللغة العربية كأداة لاستحداث المعارف وتناقلها». وأضافت المنظمة الدولية الأم أن اللغة العربية «وسيلة للارتقاء بالحوار وإرساء أسس السلام»، مؤكدة أن «اللغة العربية كانت على مر القرون الركيزة المشتركة وحلقة الوصل التى تجسد ثراء الوجود الإنسانى وتتيح الانتفاع بالعديد من الموارد». وأشار البيان إلى أهمية اللغة العربية، خاصة فى ظل العولمة والرقمنة والتعددية اللغوية بما يعزز الحوار بين الأمم والشعوب. وأكدت الأمم المتحدة أن «اللغة العربية تعد ركناً من أركان التنوع الثقافى للبشرية»، وهى «إحدى اللغات الأكثر انتشاراً واستخداماً فى العالم، إذ يتكلمها يومياً ما يزيد على 400 مليون نسمة».
وقبل أربعة أيام من الاحتفال باليوم العالمى للغة العربية، وفى يوم الثلاثاء الموافق السادس عشر من ديسمبر الحالى، أعلنت منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) عن إدراج الخط العربى ضمن قائمتها للتراث غير المادى، وذلك بناء على طلب تقدمت به 16 دولة عربية، من بينها مصر والسعودية والأردن والجزائر. ففى بيان لها على موقعها الرسمى، ذكرت المنظمة أن «الخط العربى هو الممارسة الفنية للكتابة العربية اليدوية بطريقة سلسة للتعبير عن التناسق والتناغم والجمال». وأضافت المنظمة: «كان الغرض منه فى الأصل جعل الكتابة واضحة ومقروءة، وأصبح يوفر إمكانيات غير محدودة، حتى فى كلمة واحدة، حيث يمكن تمديد الحروف وتحويلها بعدة طرق لإنشاء أشكال مختلفة».
وفى يومها العالمى، وعبر الموقع الرسمى له، أعلن الاتحاد الدولى لكرة القدم أن رئيس الاتحاد سيقدم اقتراحاً بأن تصبح اللغة العربية لغة رسمية فى الفيفا، وذلك أسوة باللغات الأربع المعتمدة حالياً، وهى: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية. ويأتى هذا الإعلان بالتزامن مع ختام منافسات كأس العرب التى تقام للمرة الأولى تحت مظلة الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا)، والتى شهدت مشاركة 23 منتخباً عربياً، فى احتفالية رائعة برياضة كرة القدم تجسدت فيها قيم الوحدة والتضامن فى العالم العربى والمنطقة. كذلك، يأتى هذا الإعلان تقديراً لأهمية اللغة العربية، التى يتحدث بها أكثر من 450 مليون شخص فى أكثر من 20 دولة ناطقة باللغة العربية، إضافة إلى ملايين العرب فى أنحاء العالم.
وتذكرنا الوقائع سالفة الذكر بحدث غير مسبوق، يعود إلى شهر سبتمبر من العام الماضى، حيث ألقت وزيرة خارجية النمسا «كارين كنايسل» كلمتها بالدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة باللغة العربية، مبررة ذلك بأن «اللغة العربية لغة جميلة ومهمة وجزء من الحضارة المهمة العربية، ودرست فى لبنان خلال سنوات الحرب، كيف يستمر الناس فى الحياة، رغم كل الظروف الصعبة. هذا سر الحياة، وهناك ناس رجال ونساء، من بغداد حتى دمشق، يستمرون فى الحياة، كل الاحترام لهؤلاء الناس».
وما دمنا نتحدث عن الاهتمام بلغة الضاد فى خارج حدود الدول العربية، لا يفوتنا أن نشير إلى مبادرة «اتكلم عربى»، التى تتبناها وزارة الهجرة وشئون المصريين بالخارج بقيادة الوزيرة المتميزة السفيرة نبيلة مكرم. وكم كنا نتمنى أن تتبنى وزارات الثقافة والتربية والتعليم ومجمع اللغة العربية ومشيخة الأزهر مبادرات أخرى رامية إلى الحفاظ على لغة الضاد. وقد استرعى انتباهى تصريح منسوب إلى رئيس مجمع اللغة العربية، منشور فى بعض الصحف المصرية، يؤكد فيه رئيس المجمع أن المجمع قدّم مشروع قانون الحفاظ على اللغة العربية لمجلس النواب وينتظر مناقشته فى الدورة الحالية. والواقع أن القانون وحده لا يكفى، وأن القانون السارى حالياً فى هذا الشأن يتضمن العديد من النصوص التى لا تجد طريقها إلى التطبيق، ولاسيما فيما يتعلق بأسماء المحلات التجارية. كذلك، فإن الأمر يتطلب تحركاً فاعلاً من المجمع لتنفيذ بعض المبادرات الرامية إلى الحفاظ على اللغة العربية، وذلك بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية. فعلى سبيل المثال، يمكن للمجتمع أن يتعاون مع وزارة التربية والتعليم فى تطوير أساليب تدريس اللغة العربية، بما يجعلها أكثر تشويقاً للتلاميذ فى المدارس.
وفى الختام، وباعتبارى أحد أعضاء لجنة تفعيل مركز الاستماع التابع لمحكمة التحكيم الرياضى (كاس)، والكائن فى مدينة أبوظبى، ناقشت اللجنة بعض السبل الرامية إلى تفعيل عمل المركز، حيث خلص الرأى إلى ضرورة السعى لاعتماد اللغة العربية كإحدى اللغات الرسمية فى محكمة التحكيم الرياضى، والتى كانت تعتمد فقط اللغتين الإنجليزية والفرنسية كلغات رسمية، ثم جرى مؤخراً إضافة اللغة الإسبانية إليهما. والمأمول هو أن يتعاون مركز الاستماع الموجود فى القاهرة مع مركز الاستماع الكائن فى أبوظبى، لتحقيق هذا الهدف.