ذخيرة الشركة المتحدة!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

تفاؤلنا بعد إنتاج فيلم «قطب» كان فى محله.. يمكن الآن وبعد إنتاج «العدوان الثلاثى» التأكيد على ذلك وبكل ثقة.. السبب بالطبع ليس إنتاج أفلام عن تاريخ مصر الحقيقى ولا لإنتاج أفلام عن زعماء نحبهم.. أبداً أبداً.. إنما القصة أعمق من ذلك بكثير.. الآن نعالج أخطاء بالجملة ارتكبت وتُركت وتراكمت حتى سببت مشاكل بالجملة فى حياتنا كلها.. كمصريين!

الآن - بهذه الرؤية - نمحو ونزيل من عقول وأذهان والوعى الجمعى للمصريين ما تراكم عبر نصف قرن تُرك بالكامل وبكل أسى وأسف لجماعة «الإخوان» أن تزيف تاريخ مصر وتكتبه وتقدمه لشعبنا على هواها ووفق مصالحها وعبر ما تيسر لها من وسائل وأدوات.. وهى للأسف كثيرة وعديدة تركت لها فى لحظات حساب خاطئة من مساجد وزوايا إلى صحف ومجلات إلى دور نشر ومؤسسات إعلامية واجتماعية إلى نقابات وأندية إلى نوادٍ لهيئات التدريس إلى -فيما بعد- مواقع إلكترونية وفضائيات!

الآن.. تتصدى الشركة المتحدة لذلك كله بثقة وهدوء.. لم تعد طلائع القوات المسلحة والشرطة وحدها مَن تحارب الإرهاب بل توجه القذائف اليوم إلى معقل الأفكار ذاتها.. وتجفيف منابع الإفك والكذب والافتراء والتزييف والتزوير..!

فى «قطب» وصفنا الأمر بالقصف المركز لأكذوبة روّج لها الإخوان طويلاً ملخصها يقول: «إن سيد قطب أعدم لأنه يفسر كتاب الله وإن عدداً كبيراً من زعماء العالم تدخل لإنقاذه من الإعدام وإن السلطات المصرية رفضت وإن عرضاً بدلاً عن ذلك بالعفو عنه قُدم إليه عند لحظات الإعدام شريطة التقدم بطلب عفو، ولكنه رفض وقال إن السبابة التى توحّد الله لا تكتب عفواً لأحد»!

وروّجت الجماعة للأكذوبة وصدّقها شباب الجماعة أنفسهم حتى صدقها من حولهم ثم صارت حقيقة فى أذهان القطاعات الأكبر من شعبنا.. ثم تتبدل الأوضاع فى مصر بما يسمح لمقاتل صلب فى مواجهة الجماعة وأكاذيبها، مثل اللواء فؤاد علام ليقول شهادته عن الموضوع وكيف أنه هو نفسه مَن اصطحب سيد قطب من الزنزانة إلى تنفيذ الحكم وأن لا أحد قدم له عرضاً ولا هو رفضه ولم يفعل شيئاً إلا أنه ظل يتمتم بكلمات غير مفهومة حتى الإعدام! ثم توالت الاعترافات عن اليوميات التى كتبها وغيرها حتى يعرف الجميع أنه لم يتعرض لأى تعذيب - كما كذبوا - بل وأتيحت له كل فرص القراءة والكتابة داخل السجن.. وهنا يأتى فيلم «قطب» ليثبت الحقائق ويزيل الكذب القديم من أذهان الناس واستقرت محله المعلومات الصحيحة. وهى مهمة طالما انتظرناها دون أن يتصدى لها قبل «المتحدة».. أحد!

وطوال نصف قرن كانت خطة الجماعة إعلامياً وسياسياً (لاحظ كيف يتفق ذلك إلى حد التطابق مع الإعلام الصهيونى وقسم المعنويات والمعلومات فى الموساد) على تشويه كل ما جرى فى مصر منذ ثورة أبناء الجيش العظيم عام ١٩٥٢ وتحميلها ما لا تتحمله فى رسالة نهائية خطيرة لتحميل الجيش العظيم مسئولية أى تراجع تم فى مصر وكذلك التأثير على معنويات الشعب المصرى وزرع روح الهزيمة بداخله وإقناعه بأن تاريخه الحديث ليس إلا سلسلة من الهزائم (ثم يأتى التبرير بالبعد عن الإسلام وأن انتصارات هذه الأمة كانت فقط فى عهد الخلافة أو برفع راية الإسلام كحالة صلاح الدين) وكذلك إقناعه بعدم قدرته على تحدى الدول الكبرى مهما امتلكنا من قدرات ومهما كانت حقوقنا واضحة جلية وأن الهزائم ستكون حتمية لنا! هذا ملخص رسالة الإخوان، ولذلك أشاعوا هزيمة مصر فى ٥٦ واحتفلوا سنوياً مع إسرائيل بنكسة ٦٧ ليس للتعلم من الدرس أو لتفادى ذلك مستقبلاً وإنما للأسباب السابقة وللشماتة!

تجاهلت الجماعة تضحيات شعب بورسعيد ودماء أبنائها وصمود الشعب المصرى كله خلفهم.. وتجاهلوا حق مصر فى قناة السويس ودماء أجدادنا فى حفرها وقد دفنوا فيها موتاً وتعذيباً ومرضاً وجوعاً بعد سخرة بالكرابيج لا مثيل لها فى التاريخ.. وتجاهلوا حق مصر فى بناء نفسها فى عهدها الجديد وقد عادت لأهلها وبالتالى حقها فى بناء السد العالى وهو مع عودة القناة وأحلام المصريين المؤجلة عبر أجيال وأجيال وأن الكرامة الوطنية تسبق ذلك كله.. ولذلك تجاهلوا نتائج المعركة التى انتهت فعلياً بعودة القناة وببناء السد العالى وبتراجع بريطانيا وفرنسا من «قوى عظمى» إلى «إمبراطوريات سابقة».. وتجاهلوا كيف سقطت حكومات هذه الدول وصعدت مصر ونجحت فى إدارة القناة وكيف نجحت فى حرب الإرادة.. وهى فى الأصل معيار أى حرب فى التاريخ!

كان التجاهل عمدياً.. للخطة السابقة.. ثم جاءت طلقة «الشركة المتحدة» الثانية فى «العدوان الثلاثى» ليس فقط لتكشف الأكاذيب ولا فقط ترد الاعتبار لدماء الشهداء ولا لتضحيات الفدائيين والأبطال ولا لزعيم مصرى كبير قائد ثورتها ومؤسس نظامها الجمهورى، وإنما كل ذلك وفوقه استنهاض الشعور الوطنى المصرى وهو ما يتجلى فى ردود فعل المصريين بعد الفيلم وكيف بحث عنه مَن فاتهم وكيف انتظروا بشوق الجزء الثانى فى لهفة للحظات كرامة كان قد طالها ما طالها!

(كثيرة هى ذخيرة المتحدة.. ننتظرها جميعاً.. وللحديث عنها بقية!)