«زيت» جانتس.. و«سلام» عباس

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

فى 13 نوفمبر عام 1974، ختم الزعيم الراحل ياسر عرفات خطابه التاريخى الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقول: «لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون مع بندقية ثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدى، الحرب تندلع من فلسطين، والسلام يبدأ من فلسطين». ومنذ ذلك الحين خلَّد التاريخ تلك العبارة، وأصبحت عقيدة لدى الفلسطينيين فى صراعهم مع إسرائيل، المقاومة فى خط متوازٍ مع السلام، غير أن الأحداث اللاحقة فى تاريخ القضية الفلسطينية مر عليها غبار التناقضات والصراعات الخارجية والداخلية، فأفقدها الزخم، وتراجع الاهتمام الدولى والإقليمى بها.

بالمقارنة بين خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات فى الأمم المتحدة فى ذلك الوقت، واللقاء الذى جمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبومازن» مع وزير الحرب الإسرائيلى بينى جانتس، فى منزله منذ أيام، وردود الفعل الفلسطينية العنيفة التى صاحبت اللقاء، نستطيع استنتاج ما أصاب القضية الفلسطينية من عطب، وتدهور، على المستويين الدولى والإقليمى. فخلال اللقاء الذى جمع بين «أبومازن وجانتس» فى منزل الأخير فى روش هاعين (رأس العين)، دخل الابن فجأة، فعرَّفه «جانتس» على «أبومازن» وأخبره أن ابنه مجند فى الجيش، أجاب «أبومازن»: آمل أن يخرج السلام من هذا البيت!. وكانت هدية الوزير بينى جانتس لـ«أبومازن» فى اللقاء «زيت زيتون إسرائيلى»!! كما أحضر «أبومازن» هدية لم يفصح عن فحواها، و‏تزامن هذا اللقاء مع هجمة المستوطنين على المواطنين فى الضفة الغربية، ليزيد من فداحة جريمة قيادة السلطة، وتشكل طعنة للانتفاضة فى الضفة الغربية المحتلة. هذا السلوك من قيادة السلطة يعمق الانقسام السياسى الفلسطينى، ويعقد الحالة الفلسطينية، ويشجع بعض الدول فى المنطقة التى تريد أن تطبع مع الاحتلال، وتضعف الموقف الفلسطينى الرافض للتطبيع. المؤسف هى تصريحات مصادر فلسطينية لإذاعة (كان) العبرية، بأن «أبومازن» أوضح لبينى جانتس أنه لن يسمح بممارسة العنف واستخدام الأسلحة النارية ضد الإسرائيليين، بغض النظر عن طبيعة العلاقات بين السلطة وإسرائيل!.

إسرائيل التى سرقت الأراضى الفلسطينية واحتلتها، تسرق أيضاً التراث والتاريخ والفلكلور وتنسب إليها زيت الزيتون ثروة الأرض الفلسطينية وهويتها، وتهديه لرئيس السلطة المفترض أنه ممثل للشعب الفلسطينى، وبدلاً من الرفض والاحتجاج، يصر على منهجه الذى اختاره منذ تقلده السلطة: «السلام مقابل السلام»، أو بالأحرى «السلام المجانى مقابل لا شىء»! الزعيم الراحل ياسر عرفات قالها واضحة صريحة أمام العالم: «جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية ثائر»، لم يتخل عن مبدأ المقاومة، فى الوقت الذى يحمل فيه غصن الزيتون؛ عنوان السلام، وجزء أصيل من الهوية الفلسطينية والتراث، بينما يؤكد رئيس السلطة الفلسطينية فى منزل عدوه أنه لن يسمح بممارسة العنف أو استخدام الأسلحة ضد الإسرائيليين!! فى الوقت الذى يمارس فيه المستوطنون وجنود الاحتلال أقسى أنواع التنكيل والعدوان على الفلسطينيين وأراضيهم، يقتلعون أشجار الزيتون الفلسطينية،، التى نسبها «جانتس» لدولته اللقيطة، واعتبر «زيتها» جزءاً من تاريخها وثروتها! ورغم تأكيد مسئولين فى السلطة الفلسطينية أن أسباب الزيارة كان على رأس أولوياتها بحث التطورات فى شأن القضية الفلسطينية واستئناف المفاوضات، فإن مصادر إسرائيلية أكدت أن «جانتس» رفض الحديث عن أى أفق سياسى مع «أبومازن» خلال لقائهما فى منزله، وإنما تم الاتفاق على قضايا اقتصادية وأمنية ومدنية!.

وكان من ضمن إجراءات بناء الثقة بعد اجتماع «جانتس - أبومازن»، إضافة 600 تصريح VIP لكبار رجال الأعمال الفلسطينيين.

والسؤال: لماذا يصر الرئيس محمود عباس على امتهان كرامة الشعب الفلسطينى ومقاومته مقابل لا شىء؟! إسرائيل لا تعطى ولا تمنح، و«أبومازن» يصر على استجداء الحق الفلسطينى، من عدو تغول واستشرى عدوانه على الأرض والعرض والتاريخ والتراث.