إحنا البطولة 3 .. ختامُه درس

أحمد عاطف

أحمد عاطف

كاتب صحفي

انتهت النسخة الـ 33 من بطولة أمم أفريقيا بفوز السنغال لأول مرة في تاريخها بالكأس الأفريقية، واحتفظت مصر بالمركز الثاني بعد أداء بطولي مشرف.

الكلام في فنيات مباراة النهائي المثيرة بين مصر والسنغال لا ينتهي.. وماكينة التحليلات الكروية على «السوشيال ميديا» لا تتوقف عن الضجيج.. ولا تسمح بأى فرصة لأحد لالتقاط الأنفاس.. يكاد الراغب في تأمل المشهد بهدوء يقول: «ارحموني».

صحيح أن أمل منتخب مصر في التتويج كان كبيرا.. لكن أمل منتخب السنغال لم يكن هينا..هذا فريق مكافح استعد للبطولة جيدًا وأحسن استغلال كل فرصة صادفته في مشوار التأهل حتى حصد اللقب، واستحق أن يهنئه الجميع.

هذه أخلاقيات المنافسة وحال كرة القدم.. تنتهي البطولة بفائز وخاسر، ويمضى المتنافسون إلى جولات جديدة، بحثا عن نسخة جديدة من التألق ومزيد من النجاح.

بدأ منتخب مصر بطولة 2022 وسط رهانات عديدة على خروجه من الأدوار الأولى، لكنه خالف التوقعات، وبعد مشوار صعب على أى فريق وصل إلى النهائي، تعرض العديد من لاعبيه الأساسيين للإصابة ولعب 4 مباريات متتالية كل واحدة منها 120 دقيقة، وفاز في 3 منها رغم المشقة الكبيرة التي كابدها الفريق وانعدام فرصة الراحة واستعادة اللياقة بعد كل مباراة.. هذه بطولة في حد ذاتها، ورقم قياسي لا يمكن إنكاره.

وبعيدا عن نتائج المباريات، كان المكسب الأكبر هو عودة الروح المصرية التي غابت مؤقتا عن منتخب مصر، كما تمرس محمد صلاح نجم ليفربول على مهارات قيادة الفريق، وتألق محمد أبو جبل كما لم يتألق حارس مرمى في بطولة أمم أفريقيا على مدار تاريخها، وبقدر ما كان الرهان عليه كبيراً، كان هو على قدر التوقعات وأكثر، وحمي شباكه من أهداف محققة في أوقات صعبة، وأصبح علامة مسجلة في عالم حراسة المرمى، عنوانها «جابسكي».

وما بين محمد صلاح ومحمد أبو جبل، قدم لاعبو منتخب مصر، بلا استثناء، أداء صامدا، ربما لا يكون الأفضل فنيا، لكنه الأفضل قتاليا، وظهرت شخصية منتخب مصر، صاحب الـ 7 ألقاب الأفريقية والتاريخ الكروي الكبير، داخل الملعب وخارجه.. وها هو المستقبل يفتح ذراعيه أمام غالبية عناصر الفريق للاحتراف واكتساب مزيد من الخبرات لصالح منتخب مصر والكرة المصرية.

في مشوار منتخب مصر الصعب إلى نهائي أفريقيا، وفي عالم أصبح كل شئ فيه على المكشوف، ظهرت للعلن سلبيات لا تخطئها العين.. فنية وإدارية.. هناك خلل لابد من إصلاحه وعشوائية تتطلب حسما سريعا، قبل الدخول في منافسة دولية جديدة بإسم مصر، لا سيما أن القادم أصعب في مواجهة السنغال حامل اللقب الأفريقي وضمن تصفيات كأس العالم التي تتابعها قارات العالم الست.. سيكون منتخب مصر قريباً على موعد مباراتين مهمتين، واحدة في القاهرة والأخرى في السنغال.. ووسط هذه الظروف الصعبة والتحديات الكبرى لا يصح أن نذهب إلى جولات جديدة مع ذات الخصم بنفس السلبيات التي واجهناه بها في المرات السابقة وإلا سنصل لنفس النتيجة.

وعلى المدى الطويل، بطولة الكاميرون ليست الأخيرة.. بعد عامين سيجتمع نجوم القارة في ماراثون جديد في كوت ديفوار 2024.. ومؤكد أن منتخب مصر ينتظر هذه البطولة بشغف كبير ورغبة عارمة في اقتناص نجمة أفريقية جديد تُضاف لنجومه السبعة السابقة.. خاصة أن منتخب مصر لا تنقصه الإمكانات ولا متطلبات النجاح..منتخب مصر.. أثبت بحق أنه منتخب عظيم، يقدر اسم وتاريخ بلده الكبير، وأدرك جيدا أن بيده إسعاد ملايين المصريين والعرب المتعلقين به، وأنهم القوة الدافعة له والمُعينة له على مواصلة الانتصار.

في اللقطات التي أعقبت مباريات مهمة لمنتخب مصر، ونالت اهتمام الجمهور، تكشفت مفارقات استحقت التأمل..بعد مباراة المغرب ذهب محمد صلاح في لمحة إنسانية عظيمة يواسي أشرف حكيمي نجم منتخب المغرب بعد خسارته أمام منتخب مصر في المباراة المؤهلة للمربع الذهبي.. بعدها بأيام تبدلت الأدوار وكان محمد صلاح مكان أشرف حكيمي، يواسيه صديقه مانيه كابتن فريق السنغال، بعد خسارة مصر للمباراة النهائية.

هاتان اللقطتان المعبرتان، تؤكدان حقيقة أخلاقية ورياضية لا مفر منها، أن أحوال كرة القدم «مدورة» كشكلها، فالفائز اليوم قد يخسر غداً، والعكس صحيح.. والعبرة بالأداء القتالي وروح الإصرار على النجاح.. وهو ما لم يغب عن منتخب مصر طوال مشوار البطولة.. ويستحق الإشادة به، وسيقى في سجلات هذا الجيل من اللاعبين لسنوات طويلة.

لم يحالف منتخب مصر التوفيق، ولم يعد بكأس البطولة من الكاميرون، لكنه عاد بحزمة مكاسب، وكل مكسب منها بمثابة طولة منفصلة، والمكسب الأهم والأبقى أنه عاد مرة أخرى منتخبا يُحسب ألف حساب في أفريقيا.. والروح التي تحلى بها، قبل قدراته الفنية الهائلة، كفيلة بأن يتهيبه المنافسون.