«كورونا» يضرب التعليم ويعمّق التفاوت
مع استمرار جائحة كوفيد ومتحوراته، تتشكل مجموعة من الآثار بعيدة المدى على العديد من القطاعات التى تشكل بدورها دورة الحياة للأفراد والمجتمعات على السواء. الكثيرون يهتمون بالتعافى الاقتصادى باعتباره العامل الأكثر تأثيراً على حركة الحياة سواء فى كل مجتمع على حدة، أو على الاقتصاد العالمى ككل.
وبالفعل يُعد التعافى الاقتصادى أمراً حيوياً ومهماً، باعتباره المصدر الرئيسى لتحقيق الإنتاج والدخل. لكن هناك أيضاً قطاعات مهمة، كالتعليم الذى بدوره تأثر كثيراً بالجائحة، فالإغلاقات الممتدة للمدارس والجامعات لفترات طويلة أفرزت آثاراً مختلفة على مستوى التعلم والتحصيل العلمى والحراك الاجتماعى، والقدرة على المنافسة فى سوق العمل بعد التخرج.
وكل هذه الأبعاد بحاجة إلى دراسات ميدانية ومسوح لتقدير الآثار المباشرة والبعيدة المدى، وكيف يمكن علاج السلبى منها. وفى حال استمرار الجائحة لفترات أخرى، وضع السياسة المناسبة للتعليم.
فى تقرير كتبه اثنان من الخبراء؛ أندرميت جيل من الهند ويعمل نائب رئيس البنك الدولى فى مجال النمو العادل والشئون المالية والمؤسسات، والثانى من بيرو يدعى خايمى سافيدرا، ويعمل مدير عام قطاع الممارسات العالمية للتعليم بمجموعة البنك الدولى، ونشره موقع البنك الدولى مؤخراً، تضمن الكثير من الاستنتاجات المقلقة بسبب استمرار إغلاق المدارس والجامعات لفترات تجاوزت العام والنصف خلال العامين الماضيين، وهما عمر الجائحة حتى الآن، والمرجح أن تستمر عاماً أو عامين آخرين على أقل تقدير، وربما أكثر.
وتتعلق الاستنتاجات بالعالم كله، سواء دوله الفقيرة أو النامية أو الغنية، استناداً إلى مسوح عبر الهاتف وبيانات من مؤسسات وطنية فى عدد كبير من الدول. ومن أبرز الاستنتاجات؛ أنه بالرغم من إنفاق الحكومات فى هذا العام نحو خمسة تريليونات دولار على التعليم من رياض الأطفال حتى الصف الثانى عشر الذى يوازى الثانوية العامة فى بلادنا، فإن العالم سيخسر ضعف أو ثلاثة أضعاف هذا المبلغ فى المستقبل طالما أن المدارس مغلقة، والطلاب محرومون من الذهاب إلى فصولهم التعليمية ويفتقدون العناصر الأساسية للتعلم.
ووفقاً للتقرير فإن العبء الأكبر سيقع على الأطفال والشباب الذين تراوحت أعمارهم بين 4 و25 عاماً فى عامى 2020 و2021، مما سيؤدى إلى خلق تفاوت هائل من جيل إلى آخر. إذ إن بقاء الأطفال والشباب خارج الفصول الدراسية لتلك المدة الطويلة لا يعنى فحسب أنهم توقفوا عن التعلّم، بل إنهم نسوا فى العادة الكثير مما تعلموه.
ويرتبط بتلك النتيجة نتيجة أخرى تتعلق باتساع مستوى التفاوت فى التحصيل والمهارة بين جيل وآخر، وهو أمر من شأنه أن يؤثر على كل جهود التنمية والتعافى الاقتصادى الكلى على المدى المتوسط والبعيد. فالأجيال التى افتقدت التعلم فى داخل المدرسة أو الجامعة، فى العامين الماضيين، سوف تفتقد الكثير من مهارات التفاعل الاجتماعى الذى تتيحه دور التعليم بمستوياتها المختلفة، إلى جانب تدنى مستوى التحصيل العلمى، وبالتالى ارتفاع معدل فقر التعلم إلى ما يقرب من 70 فى المائة، بعد أن كانت النسبة قبل الجائحة لا تتعدى 55 فى المائة فقط، لاسيما للطلاب الذين يتغيبون عن المدارس لمدة سبعة أشهر، مما يصعب حصولهم على الوظائف المناسبة باعتبار أنهم أقل كفاءة.
ومثل هذا التفاوت فى التحصيل العلمى وفى الفرص المحتملة للعمل بعد التخرج، من شأنه أن يزيد من الاضطرابات المجتمعية ويعطل بشكل عام جهود النمو الاقتصادى، وستكون النتائج أكثر خطورة بالنسبة للدول النامية، حيث سترتفع معدلات الفقر وعدم المساواة على مدى جيل كامل.
وهنا يلمح التقرير تهديداً محتملاً لما أسماه بالرخاء العالمى لعقود قادمة.
النتيجة الثالثة أن الاعتماد على التعليم عن بُعد، وإن ساعد على استمرار العملية التعليمية بشكل ما أثناء الجائحة، مع اختلاف طرق التطبيق بين الدول المتقدمة وتلك النامية والفقيرة، يظل أقل تأثيراً من التعلم فى الفصول وقاعات الدرس، والتفاعل الحى مع الأساتذة والمعلمين. فضلاً عن أن الاعتماد على هذا النوع من التعلم عن بُعد غير متاح لكل الفئات، فهناك فئات فقيرة ولا تستطيع توفير مستلزمات هذا النوع من التعلم عن بُعد، كتوافر شبكة الإنترنت بسرعات مناسبة والحاسبات المناسبة، وغير ذلك من مستلزمات تقنية مكلفة، لاسيما فى المناطق الريفية والحضرية المهمشة. وهنا يحدث تفاوت آخر ذو صلة بالوضع الاجتماعى الكلى مما يزيد من التفاوت فى المجتمع، ويضر بتماسكه بشكل عام. ويعمق من جانب آخر التفاوت بين الدول والمجتمعات.
الاستنتاجات الثلاثة صالحة لكل البلدان والمجتمعات، وتقدير معدل التأثير يتطلب المزيد من الدراسات والمسوح الميدانية الخاصة بكل بلد. وليس واضحاً على الأقل بالنسبة لى أن هناك مثل هذه الدراسات والمسوح التى أجرتها أو تجريها بالفعل وزارة التعليم أو الجامعات ومراكز البحوث المعنية بتطوير العملية التعليمية فى مصر بمراحلها المختلفة، بهدف بيان مدى تأثرها بالإغلاقات المتكررة التى حدثت فى العامين الماضيين، وما هى الإجراءات التى اتخذت لإحداث قدر من التعويض ومعالجة السلبيات التى نتجت عن التعليم عن بُعد. ونأمل أن يكون هناك مثل هذه الدراسات المهمة.
إذا نظرنا للموضوع بشكل كلى، ومع ترجيح استمرار الجائحة لفترة أخرى، يقترح التقرير المزج بين ثلاثة أساليب للتعلم؛ وهى مزيد من الاستثمار فى التعليم عن بُعد، وتوفير الأموال اللازمة، والاستعانة بالموارد التى قررها البنك الدولى لمساعدة الدول الفقيرة والنامية فى هذا القطاع المهم، وتقدر بعشرة مليارات دولار ستخصص للمشروعات المتعلقة بتطوير التعلم فى ظل الجائحة، وعددها 100 مشروع تطبق فى أكثر من 60 دولة. وثانياً فتح المدارس مع تطبيق إجراءات الأمان للطلاب والمعلمين، وخفض فترات الإغلاق قدر الإمكان، وثالثاً توفير مناهج تعلم تعويضية للطلاب الذين ابتعدوا عن المدارس فترات الإغلاق الطويلة، وبما يسهم فى رفع مستوى التعلم الذى انخفض بفعل الغيابات عن المدارس والجامعات.
السبل الثلاث يجب تطبيقها فى سلة واحدة، وهى تعبير عملى عن منهج هجين تفرضه الضرورة. وبالنسبة لبلد مثل مصر، فمن المهم أن تكون هناك دراسات معمقة حول الأساليب التى طبقتها دول أخرى، سواء متقدمة أو نامية وعالجت بعض أو كل الآثار العكسية لجائحة كورونا على العملية التعليمية ككل، وجعل المعلم عنصراً رئيسياً فى هذا المزيج التعليمى، مع إعداده لهذا المنهج الذى يبدو مستمراً لفترة قد تطول كثيراً.