موجات كورونا لن تنتهي.. وتقوية المناعة وهم
خامسة وسادسة وعاشرة، موجات وباء كورونا لن تنتهى، تلك حقيقة يُردّدها علماء وخبراء ومتخصصون، سيصبح «كوفيد 19» مرضاً متوطناً، مثل الإنفلونزا الموسمية، لكن متى؟ الله أعلم، الانتشار السريع لمتحور «أوميكرون» جعل فرص فناء الفيروس ضئيلة، رغم ضعف خطورة أعراضه بالنسبة للمتحورات السابقة «ألفا ودلتا» وغيرهما، وفى ظل تحذير العلماء من ظهور متحورات أخرى، بما يعنى مقومات وجوده واستمراره فى حياتنا ما زالت قائمة، لكن كان للسويد رأى آخر، حين أعلنت أن وباء كورونا انتهى. رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية ونفيها ذلك، فقد ألغت كل القيود المتبقية تقريباً لمكافحة جائحة كوفيد 19، وأوقفت معظم الفحوص والكشف عن الإصابات بفيروس كورونا، وذلك رغم الضغط على أنظمة الرعاية الصحية ومناشدة بعض العلماء التحلى بمزيد من الصبر فى مكافحة المرض؟! الحكومة السويدية، التى عزفت طوال فترة الجائحة عن فرض إغلاق عام فى أنحاء البلاد، أعلنت انتهاء الجائحة فعلياً؟ وذلك مع انخفاض حالات الإصابة بالأعراض الشديدة والوفيات جراء الإصابة بالمرض بفعل حملة التطعيم وقلة خطورة المتحور أوميكرون. لكن هل هذا هو الحل؟ أم أنه التسليم بأن فيروس كورونا بتحوراته باقٍ، ولن ينتهى، وأن الإجراءات الوقائية والاحترازية لن تمنع وجوده أو استمراره، وأننا نضيّع الوقت فى محاربة شبح دائم الإفلات، وبدأ اليأس يتسلل داخلنا بعدم اقتراب الحل للقضاء على الوباء، لذا فلنترك خيار الانتظار بانتهاء الجائحة للقدر.
قالوا لا بد من تقوية المناعة، فجهازنا المناعى هو حائط الصد المنيع ضد اختراق الفيروس اللعين لأجهزتنا الحيوية، غير أن ذلك لم يثبت علمياً، فالجهاز المناعى هو الجهاز البيولوجى الأكثر تعقيداً فى جسم الإنسان بعد الدماغ، ويجرى الحديث عنه الآن أكثر من أى وقت مضى. فقد أدى الوباء إلى دخول كلمات جديدة قاموس حياتنا. نحن نتحدث عن المناعة الطبيعية فى الأشخاص الذين تعافوا من «كوفيد - 19»، والمناعة التى توفرها اللقاحات، الجرعات الداعمة، الأعراض الجانبية. أصبحت كل هذه الأمور موضوعات شائعة نتحدث عنها مثلما نتحدث عن حالة الطقس. لكن كثرة الحديث عن المناعة لا تعنى بالضرورة أننا نفهمها بشكل أفضل، وربما كان أكبر المفاهيم الخاطئة هو انشغال المجتمع بأن يكون جهازنا المناعى فى أقصى درجات قوته!. فعندما نشعر بالإعياء يجب أن نتذكر الجيش الذى يحارب ملايين الأعداء نيابة عنا، وداخل قلعة أجسامنا المحصّنة، فعند مهاجمة مئات الآلاف من الدخلاء الجسم، يقوم الجهاز المناعى بالتنسيق بين أنظمة دفاعية معقّدة، للقضاء على مليارات من الجنود الغزاة، والشعور بأعراض المرض كالرشح أو الحمى أو التهاب الحلق، هى فى الحقيقة من آثار المعركة الدائرة التى لا نستطيع أن نبصرها، ففى عالم أصبح حراً، أضحت فكرة «شحن» (تقوية) الجهاز المناعى تروق للكثيرين، لكن لا ينبغى أن ننشد جهازاً مناعياً قوياً، وإنما يجب أن يكون جهازاً متّزناً يسيطر على جميع الأنظمة المختلفة التى تعمل تحت إمرته، فالكثير من الناس لا يدركون أن الجهاز المناعى يمكن أن يصبح خطيراً، ولا ينبغى أن يترك له العنان بلا قيود، إذ تعجّ شبكة الإنترنت بمنتجات تعدنا بالقيام بذلك، من القهوة التى تحتوى على إضافات خاصة، إلى مسحوق البروتين، من الجذور «الروحانية»، التى يتم اقتلاعها من غابات الأمازون إلى أقراص الفيتامينات.. والقائمة لا تنتهى، ولأن الجهاز المناعى شديد التعقيد، هناك الكثير من المشكلات التى قد تحدث إذا ما قمنا بزيادة قوته، فقد يكون رد فعله مبالغاً فيه إذا ما تعرّض الجسم لعدوى بسيطة. سوء الفهم هذا يرجع بالأساس إلى أن الناس ليس لديهم صورة تخيلية دقيقة عما يعنيه مصطلح الجهاز المناعى، فهم يتصورن أنه درع طاقة نستطيع أن نشحنه. ولكن الجهاز المناعى ليس شيئاً واحداً، إنه مجموعة ضخمة من أشياء مختلفة. هناك كلمة يونانية قديمة هى «homeostatis»، وتعنى التوازن بين كل شىء، هذا ما يجب أن نسعى إليه. فعادة ما يفضّل الناس الحلول السريعة، لكن الصحة تعتمد على الأشياء المملة التى لا نريد اتباعها، التمرينات الرياضية، الغذاء المتوازن، وتقليل الضغوط العصبية والتوتر. جميعنا يعرف أن هذه الأشياء مفيدة لنا، لكننا لا نريد أن نلتزم بها.