شاهدة على «نتفليكس»

لطفى سالمان

لطفى سالمان

كاتب صحفي

(1)

كان لمقالى الأول عن «نتفليكس» ما بعده.

وصلتنى شهادة من مترجمة عملت لعام ونصف (2019- منتصف 2020) فى شركة وسيطة مع المنصة العالمية.

«نتفليكس» تتعامل مع شركات وسيطة عدة فى الترجمة والدعاية وغيرهما.

كانت وظيفة المترجمة الأساسية، صاحبة الشهادة، التعريب والترجمة والتسويق. ليس التسويق بمعناه المعروف، لكنها كان منوطاً بها عرض مختصرات الأفلام وكتابتها للمشاهد، كأداة من أدوات الجذب، وأود أن أنوه إلى أننى -وكأى صحفى- استوثقت من صحة موقعها الوظيفى الذى شرحته، وعرضت على الشبكة الرد على الشهادة كحق أصيل لها، إلا أنها لم ترد. كما طلبت التعليق من المسئولة عن الترجمة فى المنصة فى الفترة التى عملت فيها صاحبة الشهادة، فرفضت، معللة ذلك بأنها لم تعد جزءاً من الشبكة. قالت لى: «ليست لدىّ أى صلاحية للتحدث».

كما أرسلت إلى جيسيكا الشوفى، وهى مديرة اللغات الإقليمية الحالية فى نتفليكس للمنطقة العربية وأفريقيا. أرسلت إليها على بريدها الإلكترونى الشخصى، الذى كانت قد تركته قبل فترة على أحد مواقع التوظيف، ورقم هاتفها الذى جاء فى نفس سيرتها الذاتية على الموقع السابق وعلى حسابها على فيس بوك، لكنها لم ترد.

كما أود أن أنوه، قبل سرد تفاصيل الشهادة، إلى عدة نقاط:

أولها: أن الموضوع ليس شخصياً أو عناداً، وأننى لست مقيّماً أخلاقياً أو ناقداً فنياً. كل ما أريده فقط تسمية الأشياء بمسمياتها، كحق أصيل للمشاهد.

ومجدداً، من حق نتفليكس أن تفعل ما تود فعله وأن تنتج ما تريد إنتاجه وأن تدعم من تريد، شريطة أن تعلن ذلك للجمهور صراحة.

التعتيم الذى تفرضه الشبكة على الصحافة العربية ولا تجرؤ على فعله مع الأجانب يعكس حجم التناقض الواضح بين ما تطرحه من قضايا ومواقف حرة وجريئة، ومواقفها من تداول المعلومات حول طبيعة ما تطرحه.

ثانياً: ما طرحته من أسئلة فى المقال الأول هى أسئلة للقارئ الذى نعمل لخدمته، وهى حق أصيل لأى صحفى، طالما أنها تجول فى خاطر المواطن.

ثالثاً: ما أطرحه أمر يسأل عنه القارئ، ولا يحمل أى وصف مؤامراتى أو مبالغة لشىء ما فى غير موضعه.

رابعاً: عرض الشبكة لأفلام بعينها أو إنتاج أخرى بإرثها التاريخى المعروف وبأبعادها السياسية الشائكة، دون التنويه لحيادية شاشة العرض أو جهة الإنتاج، دليل على تبنى هذه الجهة لنفس وجهة نظر العمل واعتبارها الحقيقة المطلقة.

لذلك كان سؤالى لنتفليكس حول طبيعة موقفها من إسرائيل.

خامساً: كون المنصة باشتراك، فهذا لا يعفيها من عدم توضيح مواقفها التى هى بالتأكيد حقها، ولا يحرمنا أيضاً من السؤال، الذى هو حقنا، والحصول على إجابة.

سادساً: لن أخوض فى تفاصيل دارت بينى وبين ممثلى نتفليكس فى مصر، كى لا يتحول الطرح عن سياقه الذى أردته له منذ البداية، إلى خلاف بين صحفى وشركتين دعائيتين مجبرتين على عدم الرد على الأسئلة، برغبة من الشبكة، كما أوضحت فى المقال الأول.

(2)

بالعودة إلى الشهادة التى وصلتنى، وقفت على عدة نقاط متعلقة بطبيعة توصيف أو تسمية مفردات بعينها.

أقف فى هذا المقال على بعضها، مؤجلاً باقيها لمقال آخر.

باليقين، اللغة العربية مليئة بالمترادفات.

كلمة واحدة يمكن أن تساويها كلمات عدة بنفس المعنى والدقة والصحة.

تقول صاحبة الشهادة إنها وغيرها من المترجمين حاولوا أكثر من مرة استخدام مترادفات للكلمات التى تأتى فى نتفليكس تناسب المشاهد العربى، إلا أنه فى عملية المراجعة كانت تأتى ملاحظات بعدم دقة هذه المترادفات رغم صحتها اللغوية. سردت نموذجاً لما دللت عليه. زميل لها حاول استخدام لفظ أعمّ لوصف المثلية الجنسية. حاول ترجمتها لـ«أصحاب الميول الجنسية المختلفة»، إلا أن المقيّم اللغوى أكد عدم سلامتها وطالبه باستخدام لفظ «مثلى».

ورغم سلامة ما طلبه المقيّم اللغوى من المترجم من الناحية الشكلية، فإن أستاذة فى الترجمة قالت لى إن ما فعله المترجم يأتى من قبيل التلطيف وأنه سليم فنياً ولغوياً ويمكن للمترجم أن يستخدمه إذا ارتأى أن مفردة من المفردات غير مستساغة لمن يترجم إليه.

وتأكيداً على ما أكدت عليه سابقاً، لا أريد لنتفليكس أن تغير ما تريده أو تستخدم مصطلحاً مستساغاً للمواطن العربى من منطق فوقى أو أبوى أو وصى أو مقيّم أخلاقى، فهى حرة، لكن ما يُطرح فى هذا السياق هو الإتيان بمعنى غير شائع ليصبح مقبولاً ومتداولاً بكل تفاصيله، بعدما كان مهجوراً.

هذه محاولة لتمرير ناعم لحالة بكل مسمياتها وتفاصيلها وسياقها والإتيان بها إلى مسرح المتداول والمقبول والشعبى. هذه محاولة لشعبنة حالة بعينها غير سائدة، لتصبح عادية ومقبولة.

لا أطلب من الشبكة أن توقف ما تطرحه، فهى ليست وظيفتى.

أعرض ذلك كى يدرك المشاهد ما هو أمامه، ويختار وفق إرادته وحريته.

(3)

ومن بين ما جاءنى فى الشهادة أيضاً، إصرار الشبكة على استخدام مفردات دارجة فى دول عربية بعينها على حساب مفردات أخرى دقيقة وسليمة وشعبية ومعروفة للجميع.

بمنطق الدعاية، يمكن توصيف ذلك بمنطق شرائى.

يمكن طرح ذلك فى سياق أن الشبكة تخدّم على المناطق الأكثر شرائية، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المصطلحات التى تريد لها أن تسود وتُقبل، هى غير شائعة أيضاً ولا مستساغة فى هذه المناطق التى تُعرض فيها.

تقول المترجمة إن لفظة «شاذ جنسياً» لم تعد تُستعمل فى ترجمات المنصة، لما تحمله من دلالات.

لم تقل إن ذلك كان تعميماً ضمن سياسة الشركة الوسيطة للترجمة، لكنها أكدت أنه كان عرفاً من دون اتفاق.