حرب أوكرانيا.. نحو واقع أوروبى جديد

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

لم تنتهِ المعارك بعد فى أوكرانيا، ولا يملك أحد -بمن فى ذلك الرئيس بوتين- أن يحدد متى يتوقف القتال، كما بدأت جولة مفاوضات بين وفدين روسى وأوكرانى على الحدود مع بيلاروسيا، لا يُتوقع أن تأتى بنتيجة حاسمة. الغرب من ناحيته، ونعنى به الولايات المتحدة وأعضاء الناتو وبلدان الاتحاد الأوروبى ودول مثل اليابان وأستراليا وإسرائيل ودول البلطيق، حشد كل أدواته الاقتصادية والمالية والعسكرية للوقوف وراء أوكرانيا ورئيسها زيلينسكى، ودفع الأمور إلى الحد الأقصى من ناحية عزل روسيا مالياً واقتصادياً وسياسياً وحتى رياضياً وإعلامياً، عن باقى العالم، اللهم إلا دولاً محدودة لا ترى الانحياز إلى أحد الطرفين موقفاً صائباً فى تلك الظروف المليئة بالشكوك حول ما الذى يمكن أن يحدث فى الأسابيع المقبلة.

العمليات العسكرية من الجانبيْن الروسى والأوكرانى المدعوم بالناتو وأسلحته وأمواله ودعايته، فتحت الباب أمام تغييرات استراتيجية بعيدة المدى، سواء بالنسبة لأمن روسيا وأمن أوروبا، وإلى حد ما أمن العالم ككل، لاسيما فى ضوء القرار الروسى بوضع قوات الردع الاستراتيجية النووية الروسية فى حالة التأهب القصوى، لمواجهة -حسب الرئيس بوتين- التصريحات والمواقف العدائية الغربية، التى من ضمنها إعداد قوات الردع الاستراتيجى للناتو، وتسليح أوكرانيا بأسلحة وصفت بالفتاكة، وهو ما يجعل الطرفين، روسيا والغرب، متكافئَين من حيث الاستعداد، ولو نظرياً، لمواجهة، ولو محدودة، تستخدم فيها أسلحة نووية تكتيكية، على الأراضى الأوكرانية. وهو أمر جد خطير يضع مصير العالم على حافة الهاوية.

نكتفى هنا بالإشارة إلى ثلاث مقدمات للتغييرات الاستراتيجية المنتظرة؛ أولها يخص الأمن الأوروبى والدور الألمانى الجديد. فقد تخلت ألمانيا عن ثلاثة محددات التزمت بها طوال السبعين عاماً الماضية، وأهمها ألا تتوسع فى تكوين جيش ألمانى، وأن تكتفى بقوات جوية وبرية وبحرية أقرب إلى صيغة الدفاع الذاتى منفصلة عن بعضها البعض، وليست لديها رئاسة أركان تنسق العمليات العسكرية بين هذه القوات حين الضرورة. وهو ما عبّر عنه قائد القوات البرية بوصف الجيش الألمانى بالضعيف، وأنه تعرض لإهمال طويل المدى يجب تغييره جذرياً.

وتمثل العلاج فى إعادة هيكلة الجيش الألمانى ورفع نسبة الإنفاق العسكرى إلى 2 فى المائة من إجمالى الناتج القومى بدلاً من الالتزام بنسبة 1.4 فى المائة فقط، وتخصيص 100 مليار دولار لتحديث القوات الألمانية فى ميزانية العام الحالى. وهى مبالغ كبيرة نظراً لحجم الاقتصاد الألمانى، سوف تؤدى إلى تغيرات كبرى فى القوة العسكرية الألمانية فى غضون السنوات الخمس المقبلة، من شأنها تشكيل توازن مختلف حتى داخل الناتو ومع أطراف أوروبية أخرى كفرنسا وبريطانيا، وقد يمتد الأمران إلى إعادة النظر فى عدم تملك أسلحة نووية، وفى زيادة عدد القوات المسلحة الألمانية إلى نصف مليون جندى، بدلاً من الرقم الحالى المحدد بمائتى ألف جندى فقط.

يرافق ذلك تغيران مهمان، وهو السماح بتسليح أطراف فى حالة نزاع، وبأسلحة فتاكة -حسب وصف وزيرة الخارجية- حتى من غير أعضاء الناتو، وكجزء من التفاعل الضرورى مع الغزو الروسى لأوكرانيا حسب وصفها، فضلاً عن اعتبار روسيا مصدر تهديد مباشر للأمن الألمانى والأوروبى. وإجمالاً نحن أمام تغيير جذرى فى معادلات الأمن الأوروبى، وأمام عقيدة عسكرية جديدة تماماً، تسمح لبرلين بلعب دور قيادى مهم فى إطار الناتو وفى إطار الأمن الأوروبى ككل، فضلاً عن مساحة تدخل مباشر فى الأزمات الأوروبية وغير الأوروبية.

ثانى مقدمات التغير الاستراتيجى ذات المغزى الخطير جداً، تلك الدعوة التى أطلقها الرئيس الأوكرانى بتشكيل لواء إقليمى للدفاع عن بلاده، من كل الجنسيات، والأخطر تأييد دول الناتو لتلك الدعوة والسماح لمواطنيهم بالمشاركة فى هذا اللواء المُوجّه أساساً لمحاربة روسيا، مع دعمه مالياً وبالأسلحة. الدعوة تماثل ما قامت به الولايات المتحدة فى أفغانستان حين شكلت جماعات المجاهدين الأفغان فى ثمانينات القرن الماضى، تدريباً وتمويلاً وتسليحاً ودعاية، لمحاربة القوات السوفيتية الأمر الذى سمح بظهور تنظيم القاعدة، الذى تحول إلى معاداة الولايات المتحدة وحلفائها بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وما تلاها من موجة إرهاب دولى ما زالت توابعها قائمة حتى اللحظة فى العديد من البلدان الآسيوية والأفريقية.

فى السنوات المقبلة سيكون الإرهاب الجديد أوروبى المنشأ، ستعانى منه أوروبا قبل غيرها. هؤلاء الذين سينضمون إلى اللواء الأوكرانى الإقليمى سيعودون يوماً ما إلى بلدانهم مسلحين بخبرة قتالية ودوافع قومية يمينية متطرفة، ما سيسهم فى زيادة الاتجاهات اليمينية الأوروبية داخل مجتمعاتها. صحيح قد يكون لهذا اللواء دور مهم فى إزعاج القوات الروسية داخل أوكرانيا، لكنهم أيضاً سيكونون مصدر إزعاج وتهديد للمجتمعات الأوروبية نفسها. خبرات التاريخ القريب ودروسه تبدو بعيدة تماماً عن إدراك القادة الأوروبيين الذين جُل تركيزهم على اللحظة الجارية ودوافع الانتقام الكبرى من الرئيس بوتين وروسيا ككل.

ثالث مقدمات التغير الاستراتيجى تتعلق بخراب أوكرانيا وتحولها إلى بلد يعانى الفوضى إلى جانب الانقسام الفعلى الذى يبدو محسوماً، أياً كانت نتيجة المفاوضات التى ستجرى مع روسيا. الفوضى هنا ستكون مركبة، فتوزيع آلاف قطع الأسلحة على المدنيين دون ضوابط أو إشراف دقيق، سيؤدى إلى تشكل مجموعات مسلحة، سيكون من الصعب عليها التخلى عن هذا السلاح إذا ما انتهت الأعمال القتالية مع القوات الروسية، وهو سلاح سيكون مع ذوى الأفكار القومية الأوكرانية المتطرفة، ما سيؤدى إلى نزاعات مجتمعية مع الأوكرانيين من الأصول الروسية، وزيادة التوترات بعيدة المدى فى الجزء الغربى من أوكرانيا، وبالتالى سيتحول ما بقى من أوكرانيا إلى بؤرة لتصدير الفوضى إلى حلفائها الأوروبيين، ومع تدمير الجزء الأكبر من بنيتها العسكرية والمدنية بفعل الضربات الروسية، ستفقد الكثير من المحفزات لجذب أى استثمارات أوروبية أو غيرها لسنوات عديدة مقبلة، كما ستفقد جاذبية مؤسساتها وجامعاتها التعليمية، كما ستعانى عزلة دولية رغم كل الدعم العسكرى والتسليحى السخى جداً، الذى قدمته الولايات المتحدة ودول الناتو.

التغيرات الاستراتيجية الثلاثة هى جزء من كل، جزء من مشهد أوروبى جديد قيد التشكل على نحو جديد من حيث المفاهيم والعقائد والوقائع والأحداث. وهناك تغيرات أخرى ستظهر تباعاً روسياً ودولياً، بحاجة إلى المتابعة والتأمل؛ فالكل سيخضع للضرر مهما كان بعيداً عن مواقع القتال.