فى رائعته السينمائية «حياة أو موت»، قدم المخرج الراحل كمال الشيخ عام 1954 ملحمة اجتماعية إنسانية، حين هبت الدولة ممثلة فى جهاز الشرطة والإذاعة، لإنقاذ حياة مواطن بسيط دفعه مرضه لأن يرسل بابنته إلى إحدى الصيدليات كى تشترى له دواء، يخطئ الصيدلى ويضيف للدواء أحد المركبات القاتلة، وبعد انصراف الطفلة يفطن الصيدلى إلى الخطأ فيسارع بإبلاغ الشرطة التى تستنفر كل طاقتها من أجل الوصول إلى الطفلة حاملة الدواء، فيما تذيع الإذاعة بياناً موجهاً «من حكمدار بوليس العاصمة إلى أحمد إبراهيم، القاطن فى دير النحاس»، تحذره فيه أن يشرب الدواء الذى أرسل ابنته فى طلبه؛ لأن الدواء ببساطة «فيه سم قاتل»، وفى اللحظة الحاسمة التى يهم فيها أحمد إبراهيم بشرب الدواء، تصل إليه الشرطة فتنقذه من الموت، ويحفظ له الصيدلى حياته بعد أن يقدم له دواء جديداً خالياً من مركبات السم. يختلف الحال فى مصر الآن بعد 60 عاماً مرت على إنتاج الفيلم السينمائى، يظهر الدواء القاتل فى معظم محافظات مصر، فيما يغيب المسئولون، أكثر من 7% من الأدوية المغشوشة على مستوى العالم يتم إنتاجها فى مصر وفقاً لنقابة الصيادلة المصرية، بينما يتراوح حجمها بين 15 و20% على مستوى تجارة الدواء فى مصر.. هذا هو المعلن، أما ما خفى فدائماً ما يكون أعظم.
«أدوية مستوردة» هكذا يتم الإعلان عنها، قبل أن يعاد تدويرها فى أحد مصانع «بير السلم» بالإسكندرية التى تستعين بمستلزمات الصناعة من القاهرة، قبل أن يتم الزج بالأدوية فى سوق الدواء، بناء على معلومات أولية عن بعض الأشخاص الذين يعملون فى تجارة الدواء، كانت هذه هى المعلومات الأولية التى وصلت إلينا قبل البدء فى تنفيذ التحقيق، وللتقصى رحنا نجمع المزيد من المعلومات حول هذه التجارة المجرمة قانوناً ودينياً، تطلب ذلك تتبع مصدر هذه الأدوية وطرق تصنيعها فى أحد مصانع بير السلم، ثم الأماكن التى يتم شراء الأدوية منها بكميات كبيرة، وأخيراً الكيفية التى يتم بها إعادة طرحها فى السوق.
البداية كانت من مدينة الإسكندرية، التى تضم أحد الأوكار المستخدمة لتصنيع وإعادة تدوير الأدوية، تحت ستار مصنع لعب أطفال، بمنطقة «اسكوت» الواقعة على الطريق الدولى الساحلى بمدينة الإسكندرية، منطقة حديثة النشأة، تطغى عليها البنايات العشوائية شاهقة الارتفاع، يخلو بعضها من السكان، ربما بسبب أعمال التشطيبات التى ما زالت مستمرة، يقع المصنع المسمى «اليسر» كما هو مدون على منتجاته التى تستهدف الأطفال فى المناطق الشعبية؛ حيث تتنوع ما بين أوراق البخت والبمب والبيضة البلاستيكية، بينما تخلو واجهة العقار القابع بأحد الشوارع الجانبية الذى تقع على ناصيته مدارس بريليانس الخاصة، من أى لافتات تدل على ماهية المكان، ولا يدل الشكل الخارجى على ما يحدث بالداخل.
الطابق الأرضى يضم محلين يفصل مدخل العقار بينهما وبين ثالثهما، الذى اتخذ منه أصحاب المصنع مكاناً لإدارة وتسويق المنتجات، بينما عملية التصنيع تتم داخل المحلين، أحدهما مغلق باستمرار، والآخر مرفوع بوابته الحديدية لأعلى، وبينما يخفى ما يدور بالداخل بوابة أخرى يمتزج فيها الخشب بالزجاج القاتم الذى لا يكشف ما يدور خلفه.
الدخول إلى المكان يتطلب التخفى فى شخصية بائع متجول أو مندوب توزيع، يطلب شراء بعض المنتجات من لعب الأطفال، وفقاً لنصيحة من أحد العاملين داخل المكان؛ حيث يتم التعامل مع هؤلاء المندوبين من خلال المكتب الإدارى أو «المعرض» كما يسميه أصحابه، وبعد الاتفاق وشراء بعض الكميات من لعب الأطفال بثمن بخس مقارنة بما تباع به فى الشارع، سألنا الجالس خلف المكتب ذى اللحية الخفيفة: «فيه حمام هنا؟»، يطالبنا الرجل بالانتظار لثوانٍ، ثم ينهض من جلسته، ويدخل المصنع ليشير بسبابته إلى غرفة صغيرة فى نهاية المكان: «ده الحمام»، ويقف منتظراً لحين عودتى إليه مرة أخرى. [FirstQuote]
من الداخل لا يوجد جدار يفصل بين المحلين المتجاورين؛ حيث تتناثر العديد من ماكينات التصنيع والتغليف فى أروقة المكان، الذى يعمل داخله 5 أفراد (فتاتان وثلاثة شباب)، وتتراكم فى أحد الأروقة كميات ليست بالقليلة من المطبوعات والعبوات التى تُستخدم فى تغليف لعب الأطفال نهاراً والأدوية ليلاً، وفقاً لأحد العاملين، الذى يؤكد أن عملية التدوير والتصنيع لا تقتصر على الأدوية فقط وإنما تمتد إلى «الفياجرا» المغشوشة بأنواعها المختلفة، وهو ما وثقته «الوطن» باستخدام كاميرا سريّة تم تركيبها لأحد العاملين الخمسة الذين تم اختيارهم بعناية من صاحب المصنع الذى يدعى «ش. ح»، وشهرته «ش. أ» لتصوير عملية التصنيع بالنسبة للأدوية أو «الفياجرا»، لاستحالة دخول أى شخص غريب أو غير موثوق فيه أثناء عملية التصنيع أو التدوير.
صاحب معرض الأدوية المغشوشة
يقوم المصنع غير المرخص بإنتاج وتدوير نوعين من الأدوية، بخلاف «الفياجرا» بأنواعها المختلفة وماركاتها المتنوعة، أخيراً بعض مستحضرات التجميل منتهية الصلاحية التى يتم تغيير التاريخ وإعادة طرحها فى السوق مجدداً.
نوعان من الأدوية التى تعتبر الأكثر خطورة من إنتاج المصنع العشوائى بالإسكندرية، وتعتبر الأكثر تهديداً على حياة المرضى: حقن «الريتاربن» وعبوات «التروكسين»، الأولى هى حقن بنسلين «Penicillin» عبارة عن مضاد حيوى، يُستخدم فى علاج حالات العدوى الجرثومية الحساسة مثل التهابات اللوزتين والقصبة الهوائية والبلعوم والرئتين ولمنع تكرار الحمى الروماتيزمية، بينما الدواء الثانى يُستخدم فى علاج الغدة الدرقية، وهو عبارة عن أقراص معبأة فى عبوات بلاستيكية.
وكما رصدت «الوطن»، من خلال عملية التتبع المستمرة، سواء أثناء عملية التدوير أو التصنيع أو شراء مستلزمات الصناعة والترويج، فإن لكل منهم قصة تبدأ من شارع قصر العينى بالقاهرة؛ حيث مصدر شراء الأدوية، ثم نقلها إلى الإسكندرية التى يتم فيها التصنيع وإعادة التدوير، وأخيراً التسويق والترويج فى عدة محافظات أبرزها: الإسماعيلية والشرقية والقليوبية والقاهرة.
فى شارع الرشدى المتفرع من شارع قصر العينى، تقع صيدلية صغيرة المساحة، الدخول إليها عبر مدخل ضيق، فى مواجهة مستشفى أبوالريش للأطفال، بمجرد صعود ثلاث درجات سلم تصبح بعدها أمام ثلاثة من العاملين: رجل أربعينى واثنان من الشباب فى العقد الثالث من العمر، كما تدل ملامحهم، يخاطبهم المترددون على الصيدلية بالأطباء، يستفسر أكبرهم بنظراته التى تسبق كلامه: «تحت أمرك»، يأتيه الرد: أنا من طرف «ش. ح»، بتاع إسكندرية (الرد السابق جاء بناءً على توجيهات أحد العاملين معه الذى سبق له حضور عملية الشراء قبل ذلك) ألاحقه بالسؤال: «عندك الريتاربن؟»، يسأل بدوره: «عايز قد إيه؟»، أرد: «500 حقنة»، يرد بسرعة: «هى مش موجودة دلوقتى، هعمل اتصالاتى وأجهز لك الكمية»، أسأله: «طيب وبالنسبة للتروكسين؟»، يرد: «موجود، عايز قد إيه؟»، أجيب: «300 علبة». ينتهى الحوار، دقائق تمر يُجرى فيها صاحب الرداء الأبيض عدة اتصالات، تنتهى بأن الرد النهائى سوف يأتى إليه فى المساء، وإذا استطاع توفير ما نريد سوف يخبرنا تليفونياً، وفى هذه الحالة علينا الذهاب إليه مرة ثانية لترك «العربون» كما يسميه، ثم نذهب مرة الثالثة لدفع باقى المبلغ وتسلم الكميات المطلوبة، ومع سواد الليل يأتى الاتصال، ليؤكد الصيدلى أن ما نريده متوافر، وعلينا الذهاب لدفع جزء من ثمن الأدوية، وهنا تنتهى المرحلة الأولى.
«الريتاربن» و«التروكسين» من الأدوية التى تعانى سوق الدواء نقصاً فيها، كما توضح البيانات الرسمية والحكومية الصادرة من عام 2010 وحتى الآن، يباع الأول بـ6٫5 جنيه للجمهور، بينما الثانى يباع بـ7 جنيهات، وفقاً للدكتور حسام أحمد، صاحب صيدلية بمنطقة الدقى، الذى يوضح قائلاً: إن هذه الأدوية لا تتوافر باستمرار والإقبال على المستورد منها أكثر من المحلى. [SecondQuote]
من شارع قصر العينى إلى شارع كلوت بك بمنطقة وسط البلد، وتحديداً شارع الجامع الأحمر وشارع بين الحارات، الأول يعتبر المصدر الرئيسى لشراء عبوات الأدوية الفارغة الخاصة بالريتاربن والكبسولة التى تغلق بها زجاجة الدواء، لا يجد مصنعو الأدوية المضروبة أى حرج فى سؤال الباعة عن عبوات البنسلين الفارغة؛ حيث يباع فى شارع كلوت بك مستلزمات ماكينات التغليف بجميع أنواعها، التى تتراوح أسعارها ما بين جنيهين وثلاثة، بهذه الخطوات التى وثقتها «الوطن» بالفيديوهات والصور ننتقل إلى الإسكندرية؛ حيث عملية التصنيع والتدوير.
تبدأ عملية التدوير داخل المصنع بالإسكندرية، هناك تتم إعادة تدوير حقن «الريتاربن»، تسرب منها إلى السوق ما يتجاوز 7 آلاف حقنة، وفقاً لتقديرات عامل المصنع «ع. ز»، داخل أروقة المصنع يبدأ العمل بتفريغ زجاجات البنسلين المعروفة باسم «الريتاربن»، من عبواتها الكرتونية ونزع استيكر الهوية المثبت على الزجاجة والموضح لبياناتها، واستبدال آخر به خاص بالريتاربن المستورد، المعروف بـ«السعودى»، ثم يوضع فى عبوة كرتونية تم تصنيعها بمطبعة «م. ع» بسيدى بشر، وفقاً لعامل المصنع، لكى تكون مشابهة تماماً مع العبوة الأصلية للمنتج الذى يتم استيراده من الخارج، وكذلك طباعة نشرة الدواء الداخلية، التى تتضمن التعليمات الإرشادية لاستخدام الدواء والآثار الجانبية وبعض التحذيرات لاستخدام الدواء، واستبدال النشرة المقلدة بالنشرة الأصلية التى تأتى فى الدواء المستورد من الخارج.
أما العبوات الخاصة بالدواء المحلى، فيعاد استخدامها بطريقة أخرى؛ حيث يتم شراء حقن «أكوبن» التى تباع بـ130 قرشاً للواحدة، ثم يستبدل استيكر البيانات الخاص بها، بالآخر المنزوع من زجاجات «الريتاربن» محلية الصنع، التى تباع بـ6٫5 جنيه، وهذه الطريقة تعتبر الأسهل والأقل ضرراً مقارنة بالطريقة الأخرى، التى يستبدل فيها النشا بالبنسلين؛ حيث يستخدم فيها الزجاجات الفارغة التى تم شراؤها من شارع الجامع الأحمر، ثم يوضع فيها النشا، ثم تغلق بواسطة المكبس، ويتم اللجوء إلى استخدام النشا فى حالة صعوبة الحصول على حقن «أكوبن» وزيادة الطلب على حقن «الريتاربن».
أما «التروكسين» الذى تتشابه عبوته المحلية التى تباع بـ7 جنيهات مع المستوردة التى يصل سعرها إلى 50 جنيهاً، فيتم الاكتفاء بتغيير العبوة والاستيكر المحلى بالمستورد، ويعاد ضخه فى السوق مرة أخرى على أنه مستورد.
ولا يقتصر إنتاج مصنع الدواء العشوائى على استبدال عبوات الدواء المستورد بالمحلى، وإنما يمتد إلى تجميع الأدوية ومستحضرات التجميل منتهية الصلاحية من المندوبين والشركات والصيدليات، وتغيير التاريخ المدوَّن عليها، وإعادة طرحها فى السوق مجدداً بتاريخ آخر، ويبرر ذلك «ش. خ»، أحد المسئولين عن المصنع، للعاملين معه بأنه لا توجد خطورة على مستخدمى الأدوية ومستحضرات التجميل منتهية الصلاحية؛ لأنها تصلح للاستخدام مدة تتجاوز 6 شهور بعد إنهاء صلاحيتها وفقاً للتاريخ المدون على العبوة، بينما يرى الصيدلى حسام أحمد أن انتهاء صلاحية الدواء يعنى فقدان المادة الفاعلة داخل التركيبة الدوائية لمفعولها، فى حالة تعاطيها لا يكون لها أى فائدة طبيعية، بخلاف الآثار السلبية التى من الممكن أن تظهر على المريض الذى يستخدمها وتتضاعف هذه الآثار كلما كانت حالته الصحية متدهورة.[ThirdQuote]
ويمتد الغش داخل المصنع إلى «المنشطات الجنسية»؛ حيث يتم تركيب بعضها داخل المصنع والبعض الآخر يأتى مهرباً من الخارج، فكما يروى «ش. خ»، أثناء شراء بعض هذه العبوات، باعتبارى أحد باعة الرصيف لهذه المنتجات، فهى تأتى مهربة وسط بالات الملابس المستعملة والمستوردة من الخارج عن طريق ميناء الإسكندرية، وذلك أثناء طلبى لبعض الأنواع غير الموجودة لديه. يقول «ش. خ» كما وثقت «الوطن» باستخدام كاميرا سرية: «الفياجرا خرجت من المينا امبارح، وسوف يتم تفريغها من البالات النهارده وبكرة هيكون موجود كل الأنواع اللى ناقصة».
ويوضح «ع. ز»، أحد العاملين معه، أن هذه النوعيات من المنشطات الجنسية تأتى وسط بالات الملابس المستعملة والمستوردة من الخارج، التى تباع فى زنقة الستات وخالد بن الوليد، يتم تسلم «الفياجرا» من تجار الملابس بعد فتح البالات وفرز البضاعة.
وبينما الأنواع التى يتم تصنيعها وتغليفها داخل المصنع غير المرخص، تتنوع بين «عسل النحل واللبان والقطرة»، ولكل منتج منها قصة مختلفة، حيث يتم خلط العسل النحل ببعض الأعشاب التى يزعم «ش. ح»، أحد العاملين بالمصنع، أنها المادة الفعالة للمنشطات الجنسية، ثم تعبأ فى أكياس بلاستيكية صغيرة، وتوضع كل 10 أكياس فى عبوة كرتونية يتم تغليفها، كما يروى «ع. ز»، العامل الذى شارك فى صناعة هذه التركيبة وتغليفها قبل ترك المصنع، وبنفس المادة التى يتم خلطها بنسبة معينة على زجاجة المياه المعدنية، ثم تعبأ فى زجاجات بلاستيكية تغلفها رسومات مثيرة، على أنها «قطرة جنسية»، بينما اللبان يتم شراؤه من شارع بين الحارات بمنطقة كلوت بك بالقاهرة، هو لبان «كلاس» من إنتاج إحدى شركات المواد الغذائية بمدينة العاشر من رمضان، يتم شراؤه بـ5 قروش للقطعة الواحدة، ويباع بـ10 جنيهات، بعد فك الغلاف الخارجى وترك الغلاف الداخلى لقطع اللبان كما هو، ثم يغلف بآخر يتضمن بعض الرسومات الجنسية، التى تمت طباعتها خصيصاً بمطبعة «م. ع» بمنطقة سيدى بشر بالإسكندرية.
ويقتصر دور المصنع القابع بمنطقة «اسكوت» بمنطقة العصافرة بالإسكندرية على عملية التصنيع أو التدوير فقط، بينما عملية التخزين تتم بإحدى شقق الطابق الثالث بنفس العقار الذى يقبع فيه المصنع؛ حيث يتم تخزين الجزء الأكبر من منتجات المصنع التى تحمل لوجو ماركات عالمية مزورة، بينما عملية البيع، التى يتم الترويج والتسويق لها من خلال شبكة علاقات معقدة، عبر المندوبين والمعارف والوسطاء، تتم فى شقة أخرى تقع بالطابق الأرضى بعقار رقم 17 بشارع مجد العرب المتفرع من شارع جمال عبدالناصر بمنطقة سيدى بشر.
على موقع التواصل الاجتماعى، من خلال صفحة باسم «يوجد لدينا جميع الأدوية المستوردة» يتم الترويج لبعض الأدوية المستوردة من خلال مندوبين وعملاء فى العديد من محافظات مصر. عمر حسن، صيدلى من الإسماعيلية أحد زبائن المصنع، يقول إنه تعرف على منتجات المصنع من خلال صفحة موقع التواصل الاجتماعى، واكتشف بعد ذلك أنها «مضروبة»، على حد تعبيره، بسبب وجود خلل فى تغليف إحدى العبوات، ليتأكد بعد ذلك أن الكمية كلها بنفس طريقة التغليف، كما اكتشف حدوث عملية نصب مع أكثر من صيدلى آخر بنفس المدينة، موضحاً أن كمية العبوات الدوائية التى اكتشف الأطباء أنها «مضروبة» تتجاوز الـ500 عبوة. وعن طريقة الشراء، يقول «عمر»: إن التعامل مع المصنعين كان يتم عن طريق شحن الدواء، مقابل إرسال النقود عند التسلم، وهذه الطريقة معتادة مع بعض شركات توزيع الأدوية، كما يقول. ويضيف أن التواصل انقطع مع تجار الأدوية المضروبة بعد علمهم باكتشافه للواقعة، موضحاً أنه قام بعمل محضر بالواقعة، برقم الهاتف واسم الشخص الذى كان يتواصل معه وتم إرسال الشحن باسمه، مع العلم أنه ما زال يحتفظ بالأدوية حتى يتم الانتهاء من القضية، باعتبارها أحد الأحراز التى من الممكن أن تستعين بها النيابة.
الشقة التى تحولت إلى معرض لبيع الأدوية والمنشطات الجنسية المغشوشة، تقبع على اليمن بمجرد الدخول من بوابة العقار، لا يوجد على بابها المغلق ما يدل على أنها معرض أو شركة لبيع الأدوية، لكن الضوء المتسرب من شراعة الباب الزجاجية، والصوت الخافت لأحد الأفراد يعطى انطباعاً بوجود شخص أو أكثر بالداخل، الضغط على جرس الباب، والانتظار لثوانٍ معدودة يقطعها فتح الباب، يُظهر رجلاً فى نهاية العقد الرابع من العمر، كما تدل ملامح وجهه الخمرى، له لحية خفيفة، يبدأ الحوار بسؤالى عن «مؤمن»، (اسم الشخص الذى كان يدير المعرض قبل شهر، لكنه بدأ يعمل لحسابه بعيداً عن أصحاب المصنع، معلومة حصلت عليها من أحد المصادر الذى نصحنى بأن السؤال عنه سوف يعطى انطباعاً يطمئن «ش. خ»، شقيق صاحب المصنع المسئول الحالى عن إدارة المعرض)، يستمر الحوار بيننا: «لو عايز حاجة تحت أمرك». «فيه فياجرا؟»، يومئ الرجل برأسه ثم يفسح الطريق لدخولى، وهو يشير بيده: «اتفضل».
شقة صغيرة، تتكون من غرفتين وصالة، الأولى تقع على اليمين بمجرد الدخول من باب الشقة وتضم مكتباً تتناثر عليه بعض الأوراق وجهاز كمبيوتر ديسك توب، فى مواجهة المكتب أرفف خشبية تستقر عليها عينات من عبوات الأدوية المغشوشة، التى سبق تصنيعها فى المصنع وكذلك مستحضرات التجميل منتهية الصلاحية التى تمت إعادة تدويرها.
بينما الغرفة الثانية التى تقع فى نهاية طرقة طويلة، تُعرض فيها المنشطات الجنسية بأنواعها المختلفة، سواء المستوردة من الخارج أو المغشوشة التى يتم تصنيعها فى المصنع بمنطقة «اسكوت» على الطريق الدولى الساحلى.
محاولة تفحص المنتجات والاستعلام عن أسعارها لا تختلف كثيراً عمَّا يدور بين المشترى والباعة، الذى يسعى دائماً إلى إظهار مميزات بضاعته فى أحد المحال التجارية، بمجرد أن تلامس أناملك أى عبوة، يخبرك «ش. خ» بمميزاتها وسعرها ومدى الإقبال على شرائها من المواطنين. يتباهى «ش. خ» بأن منتجاتهم تغرق القاهرة، علامات الاستغراب التى ظهرت على وجهى من حديثه عن انتشار منتجاتهم، دفعت الرجل إلى تأكيد كلامه: «حتى اللى فارشين فى ميدان رمسيس بياخدوا مننا»، زيارة إلى ميدان رمسيس، تحديداً أمام العمارة الأشهر التى تحمل اسم الميدان، يقف اثنان من الباعة أمام بضاعتهما المرصوصة على لوحة خشبية لا يتجاوز ارتفاعها المتر، تضم عشرات الأنواع من المنشطات الجنسية التى سبقت رؤية مثلها فى الإسكندرية، يلتف حول «فرشة المنشطات» عشرات المواطنين الذين يرغبون فى الشراء دون أن يدركوا أنهم يشترون الوهم، إن لم يكن «السم القاتل».