تجديد الخطاب الدينى.. رؤى وتحديات (1)
تجديد الخطاب الدينى -كما قال الشيخ محمد أبوزهرة-هو: «أن يُعاد إلى الدين رونقه، ويُزال عنه ما علق به من أوهام، ويُبين للناس صافياً كجوهره، نقياً كأصله»، ومن مظاهر التجديد: بناء نظرة إيجابية للعالم فى مواجهة الصدام والعنف والجمود، وإعلاء قيم النزاهة فى مواجهة الفساد والرشوة والإهمال والفوضى، وإعلاء قيم الجمال والذوق والحرية والتفكير أمام خطاب الحماس والشعبوية والقبح والتشتت والشماتة، ومنه: إعادة النظر فى التراث وتوليد علوم جديدة كعلم أصول الحضارة، لبيان الوجه الحضارى للإسلام، وتحويل القيم العظمى المركزية التى تصنع سلوك الإنسان إلى مؤسسات تصنع الحضارة، وتقديم خطاب دينى يؤدى إلى استعادة وإحياء الشخصية المصرية والثقة فيها، والتذكير بمعالمها ومكوناتها الأصلية وسماتها التى صنعت شخصية الإنسان المصرى المتدين عبر التاريخ.
ولتجديد الخطاب الدينى تحديات كثيرة، منها: انسحاب بعض العلماء من النظر فى قضايا المرأة والحقوق والحريات والآخر والقضايا المتعلقة بالإرهاب والتطرف والتكفير وجماعات العنف المسلحة وغير المسلحة، بسبب حالة من الخوف غير مبررة من ردود فعل المتشدِّدين، الذين يرون أن التجديد خروج على الشريعة، وتفريط فى الدين، وتمهيد للانسحاق والذوبان فى الحضارة المادية الغربية، واستجابة لرجال السياسة والحكم، فأراد هؤلاء السكوت والسكون والركون إلى الدعة والهدوء والصمت.
ومن هذه التحديات أن التجديد أكثره نظرى تنظيرى داخل القاعات المكيفة فى الفنادق الفخمة، ولم ينزل إلى أرض الواقع وتستشعره الجماهير فى حياتها، وانفضت المؤتمرات -أو قُل معظمها- والحال كما هو دون جديد، فمؤتمرات التجديد لم تتعرف على مشكلات الناس، وكثرت المقالات والأبحاث والمؤتمرات إلى درجة كادت فيها كلمة «تجديد الخطاب الدينى» تكون مستهلكة، فضلاً عن أنها نخبوية منقطعة عن القائمين بمواجهة الجماهير من أئمة وخطباء.
وقد أقر الإمام الأكبر بفشل مؤتمرات التجديد، وقال فى برنامج «الإمام الطيب» عقب مؤتمر 22 أبريل 2015م ما نصه: «ناقشنا التجديدَ المطلوب، وانتهينا إلى ضرورة أن يقوم التجديد على الجمع بين التيسير وتحقيق مقاصد الشريعة، والقواعد الكليَّة العامة»، ورُغم ذلك بقيت الأمور على ما هى عليه، لأنَّ الندوة لم تنزل إلى الواقع، وفشلت معظم مؤتمرات «التجديد» فى الأزهر والإفتاء والأوقاف، وتتجه معظم معظم الأبحاث إن لم يكن كلَّها، إلى ما هو مكرور ومعروف».
ويأتى تحدى قضية المنهج، وكيفية التعامل مع المصادر العلمية، تراثية كانت أو معاصرة، بعيداً عن النظر للتراث على أنه مقدس، أو النظر إليه على أنه مهمل، ذلك لأن الناظرين للتراث الإسلامى ثلاث طوائف:
طائفة ظنت أن الإخلاص للسلف وللدين يكون بالمحافظة على التراث الفكرى والحضارى وبعثه بغثهِ وسمينهِ كأنه جثة محنطة، وأغفل هؤلاء فريضة النظر والتفكر وإدراك الواقع، وعاشوا بمطلق القبول والتسليم، وعطلوا نعمة النظر.
وطائفة رفضت التراث كله، وأمعنت فى الازدراء بالتراث، وتحدثت عن التراث بمنطق التجنى لا التبنى، وظنت أنها تضاهى علوم الراسخين.
وطائفة معتدلة، انتقت وانتخبت من التراث ما يتوافق مع العصر وعالم الرقمنة والفضائيات، ليس انتقاءً عشوائياً، لكنه انتقاء منضبط، فالطائفتان الأولى والثانية عطلتا التجديد، ومثلتا تحدياً أمامه، مع أن الطائفتين تتناقضان فى الأفكار.. وللحديث بقية إن شاء الله.