انطلاقة قوية لـ«ديربى» المسلسلات.. والرهان على الحصان صاحب النفس الأطول
تعطى البدايات مؤشرات لشكل الحلقات والأعمال الدرامية المتنافسة فى شهر رمضان المبارك. ليس ذلك فقط، بل من خلال المتابعة المتأنية (بعيداً عن الإعلانات بكل تأكيد) نستطيع تكوين رؤية شاملة وأكثر وضوحاً عن الموسم الدرامى كله.
بالرغم من أننا لا نزال فى الأسبوع الأول من عرض المسلسلات، فإن هناك أعمالاً لافتة للانتباه وتستحق التوقف عندها، ولكن يظل السؤال: «هل الأعمال التى فرضت نفسها بقوة من الحلقات الأولى ستظل كذلك حتى نهاية الموسم، أم أن هناك أعمالاً أخرى سيطغى نجاحها؟»، هذا ما سنعرفه خلال الأيام المقبلة.
من المهم التوقف أيضاً عند ظاهرة صارت تتأكد عاماً بعد آخر، وهى أن هناك أعمالاً أصبحت تنسب أكثر إلى أسماء المخرجين والكتاب، وهذا شىء إيجابى للغاية وهو الأصل فى صناعة الدراما، بمعنى أن ينسب العمل لكاتبه أو مخرجه، وليس إلى النجم، فنقول مثلاً «مسلسل محمد سليمان عبدالملك»، أو عبدالرحيم كمال، أو «مسلسل محمد ياسين»، ومحمد سلامة، وأحمد جلال. ليس ذلك فقط بل إن هناك أسماء على مستوى الفنيين وصناع الصورة والموسيقى أصبحت مرادفاً للأعمال الجيدة. مثلاً فى الصورة: محمد مختار، وإسلام عبدالسميع، وعبدالسلام موسى، وحسين عسر، وهيثم حسنى، ومحمود يوسف. وفى الموسيقى: خالد الكمار، وليال وطفة، وتامر كروان، ويعد هذا الأمر إيجابياً للغاية.
ومن المسلسلات اللافتة حتى الآن «راجعين يا هوى»، فالمسلسل يحفل بالعديد من العناصر الفنية المميزة، وعوامل الجذب الجماهيرى، بدءاً من التتر بصوت مدحت صالح؛ مسلسل شديد النعومة، محمل بلحظات من الحنين تشعرك أن كل المشاركين فيه سواء أمام الكاميرا أو خلفها يعزفون جملاً موسيقية مكتملة، وهذا طبيعى جداً، فصناع العمل يدركون أن بين أيديهم نصاً يحمل اسم «أسطى الدراما المصرية» أسامة أنور عكاشة، لذلك تعامل الجميع مع النص على أنه رد للجميل وتكريم لاسم حفر الكثير فى مجال الفن وصناعة الدراما، وشكل وجداننا، بدءاً من المؤلف وكاتب السيناريو محمد سليمان عبدالملك، والمخرج محمد سلامة، ومدير التصوير محمد مختار (لا توجد زاوية تصوير تخلو من جماليات بصرية)، أما النجوم فمعظمهم يؤدون أفضل ما عندهم.. خالد النبوى واحد من أهم النجوم الذين يجيدون تماماً «تقفيل الشخصية من جميع زواياها»، بمعنى: «هل من الممكن أن تتخيل ممثلاً آخر فى دور بليغ أبوالهنا؟»، الإجابة بالتأكيد هى: «لا»، وكأنه يعطى من روحه للدور، لذلك يرتبط به ارتباطاً وثيقاً..
أنوشكا، وكالعادة، تقدم أفضل ما عندها، وهى من أكثر الفنانات قدرة على تلوين الأداء، تقدم الشخصية الأرستقراطية بأكثر من شكل وفى كل مرة تكون لها بصماتها المميزة، وطارق عبدالعزيز، والقدير أحمد بدير، والمفاجأة بالنسبة لى نور التى تبدو فى أحسن حالاتها، أيضاً سلمى أبوضيف، ونور النبوى، صاحب الحضور اللافت جداً فى كل مشاهده..
بالتأكيد كل ذلك يعود للمخرج الموهوب محمد سلامة الذى يثبت بعد كل تجربة أنه أحد أهم مخرجى جيله.
وهناك أيضاً «المشوار» لمحمد رمضان ودينا الشربينى، وإخراج محمد ياسين، وتأليف محمد فريد. العمل يحمل رؤية بصرية مميزة بداية من تتر المسلسل وجبال الملح التى يعمل فيها ماهر، يجسده رمضان. والمسألة لا تتعلق فقط باختيار أماكن تصوير ذات خصوصية (منطقة جبال الملح)، ولكن حتى المشاهد الداخلية تتميز بثرائها البصرى، كما أن محمد رمضان يبدو مختلفاً، فأداؤه هادئ ومنضبط، بعيد عن الانفعالات المبالغ فيها، تساعده فى ذلك دينا الشربينى، حيث يشكلان معاً ثنائياً ناجحاً، إضافة إلى الموسيقى التصويرية المميزة لـ«ليال وطفة».
من المسلسلات التى تستحق أن نتوقف عندها أيضاً «فاتن أمل حربى» لنيللى كريم، وشريف سلامة، وهالة صدقى وتأليف إبراهيم عيسى، وإخراج محمد جمال العدل وذلك لبدايته القوية والجاذبة وأيضاً لصورته البصرية واختيار أماكن التصوير، وتلك الحالة التى تجسدها نيللى كريم أو «فاتن»، الزوجة المقهورة التى لم تجد طوق نجاة أمامها سوى الطلاق، الذى كانت تظنه بداية لحريتها ولكنه أصبح طريقاً آخر للسجن داخل طرقات الأقسام وأروقة المحاكم فى ظل إصرار طليقها على بهدلتها لإصرارها على الطلاق منه.
يعكس المسلسل نضجاً فنياً لمخرج العمل محمد جمال العدل، وتميزاً فى الأداء لشريف سلامة الذى يقدم واحداً من أفضل أدواره، ونيللى التى تعود للتألق فى دور يحمل الكثير من التحولات والانفعالات.
«جزيرة غمام» تأليف عبدالرحيم كمال وإخراج حسين المنباوى، يحفل المسلسل بالعديد من العناصر الفنية المميزة فى ظل الأجواء التى تدور فيها أحداث العمل، هناك جهد واضح على مستوى الديكورات، والأزياء، والتصوير، المسلسل الذى تدور أحداثه فى أزمنة مختلفة ما بين فترة حكم الرئيس الراحل السادات، حيث تبدأ اللقطة الافتتاحية بزيارته لجزيرة أولاد عرفات فى عام 1977 قبل عام من توقيع اتفاقية كامب ديفيد ثم يعود إلى فترة الاحتلال العثمانى وزمن الخديو عباس حلمى.
فكرة المسلسل واضحة وتنطلق من الصراع الأزلى بين من يستغلون الدين ويوظفونه لمصالحهم، وأولئك الذين يرغبون فى تطبيقه، حتى لو أدى الأمر إلى الفرقة وتقسيم البلد وحمل السلاح، والدين الوسطى الذى يحتفى بالحياة.
المسلسل يتميز بروح خاصة وتختلف كلية عن الأعمال المعروضة، ويشارك فيه عدد كبير من النجوم، حيث يقدم طارق لطفى دوراً مميزاً «خلدون» الغجرى، وبالطبع سنتوقف عنده بشكل أكثر تفصيلاً.
فى حقيقية الأمر، هناك الكثير من الأعمال الجيدة التى لفتت الانتباه مع عرض حلقاتها الأولى، وليس ما ذكرناه فقط ولكن تلك هى البداية.