يوجد نوعان من الإدارة: الإدارة البيروقراطية للشئون اليومية للمواطنين من خدمات تعليم وصحة وطرق ومرور وما يرتبط بها من احتكاك بإدارات الدولة المختلفة، وتتسع سطوتها إلى إدارة موارد الدولة من أموال وتجارة واستثمار وثقافة وآثار مما يشكل أساس الاقتصاد وجوهر القوة الناعمة للدولة، وقد تمتد إلى الحياة السياسية للمواطنين كإدارة الانتخابات وعمليات التنشئة السياسية والمشاركة السياسية، وقد تتسم بالمرونة والتحضر، ومن ثم تيسّر على المواطنين أمورهم وتؤدى إلى تحفيز المجتمع والدفع به إلى الأمام، وقد تكون حجر عثرة فى سبيل ارتقاء المجتمع وتصبح فى ذاتها تحدياً للتنمية وعقدة ضد الانطلاق تثبط الهمم وتدفع بالشباب وعناصر الإبداع للهجرة الخارجية، وهكذا تقف الدولة والمجتمع «محلك سر» وتفشل جهود المخلصين فى محاولة بناء وتطوير دولة حديثة، وهناك إدارة أخرى أشمل وأكثر اتساعاً، وهى الإدارة الاستراتيچية للدولة Strategic Management، ولتوضيح الصورة، يمكن فهم تلك الإدارة بطرح تساؤلات منها؛ ما شكل الدولة والمجتمع فى المستقبل؟ ما الأهداف الكبرى للدولة، والتى ينبغى على الحكومة والمواطنين العمل بُغية تحقيقها؟ ما شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية ليس فقط بين السلطات الثلاث، بل والأهم بين المواطن والدولة؟ ما شكل العلاقات الخارجية للدولة، أى دور الدولة فى الإقليم والعالم؟ ثم من هم الأصدقاء والأعداء فى السنوات المقبلة؟ ويقتضى ذلك توافر عدة مقومات على رأسها الرؤية السياسية، فمن المعلوم أن رؤية الرئيس لمصر باعتبارها الدولة الإقليمية المركزية تتطلب شروطاً عديدة، منها التكامل بين جهود الحكومة والشعب، وأن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بالإبداع ومشاركة ومثابرة ومناصرة الشباب، وكذلك بإخلاص والتزام وجهد جاد من الحكومة، وتمتد الرؤية الاستراتيچية كذلك إلى التنمية الحقيقية والشاملة، وذلك بالدخول فى مشروعات كبرى غير تقليدية لا تستهدف فقط حل مشكلة البطالة، أو إنتاج ما يكفى استهلاك 95 مليون مواطن مصرى، بل الانتقال بالدولة والمجتمع إلى مصاف الدول الكبرى إقليمياً ودولياً، وتغطى الرؤية كذلك بناء نظام سياسى جديد قائم على المشاركة الفعالة تعلوها قيم الإيثار والوطنية وتحيط بها قيم الولاء والانتماء للهوية المصرية والعربية. بهذا المعنى، هناك أهمية كبرى للمواطن ومكانته فى النظام السياسى، كما تقوم كذلك على الدفع بفكرة الإجماع الوطنى إلى الأمام والتأكيد على أن السيادة للشعب وحده؛ فهو صاحب الوطن والمدافع عنه وأن الجيش والشرطة والحكومة هى أدواته المكلفة بتنفيذ تلك الإرادة.
ويلى ما سبق تحديد الاستراتيچيات والخطط والمهام التى تضع تلك الرؤية موضع التنفيذ، ويشير الواقع بوضوح إلى وجود فجوة بين الرؤية السابقة وبين تلك التدابير اللازمة لتنفيذها، ومن ثم؛ فقد تؤدى الإدارة بالمعنى التقليدى إلى تمييع وإحباط الرؤية بصورة تضر المصالح القومية العليا، ولكى يتحقق التناسق بين الرؤية والاستراتيچيات والخطط، لا بد من البحث عن القوة الإبداعية غير التقليدية فى مصر وتكليفها بذلك، فمن غير المنطقى وبعد ثورتى 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، أن تعود الدولة إلى ذات الأشخاص والوجوه والخبرات التى أودت بنظام مبارك، وإذا كان لدى هؤلاء قدرة على ربط الرؤية بالاستراتيچية ما كان قد انهار نظام مبارك، فالدولة المصرية المعاصرة تحتاج إلى فكر وإدارة أيضاً معاصرة، وتحتاج بالقطع إلى جيل من الشباب الذى لم يخضع لسنن البيروقراطية ومواربها ودهاليزها، والتى تستطيع استيعاب وابتلاع القادرين على المبادرة وتحمل المخاطرة، ولننظر مرة أخرى إلى الدول التى انطلقت من التخلف إلى التقدم مثل الهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا وماليزيا، لقد اعتمدت جميعها على الشباب المتألق المتعلم ذى الخصائص المهنية العالية، ولنتعلم أيضاً من المنظمات الدولية الكبرى مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، حيث يقومان سنوياً باستقطاب أفضل شباب العالم وأكثره تعليماً ودراية ومهنية لتنمية وتطوير هاتين المؤسستين. وتتطلب الإدارة الاستراتيچية للدولة تحديد المسئوليات والمهام داخل المؤسسات المختلفة مع وجود نظم تقييم علمية وموضوعية عبارة عن مقاييس محددة للأداء، وتحديد قواعد الثواب والعقاب بما فى ذلك المادى منها، ولا شك أن قواعد الشفافية والمساءلة تساعد على تحقيق درجات أعلى من الالتزام ومعدلات أكبر من الأداء، وفى هذا الإطار لا يمكن أن يتحول العامل فى الجهاز الإدارى إلى موظف دائم إلا بعد المرور باختبارات سنوية تقيس درجة أدائه ومدى التزامه بأهداف المؤسسة التى يعمل فيها، كما تقوم الإدارة الاستراتيچية للدولة على البحث عن الموارد الوطنية ووضع خطط استخراجها واستخدامها، فمثلاً ما هى الموارد المدفونة فى سيناء، وكيف يمكن توظيفها لخدمة التنمية الاقتصادية والبشرية فيها، وكيف يمكن تحويلها إلى منطقة جذب للمواطنين والمستثمرين معاً وكيف يمكن ربط أجزائها بعضها ببعض وبالوطن وبالدول المجاورة بطرق سريعة وآمنة، وهل يمكن إقامة صناعات حديثة على أرضها، وتنطبق تلك التساؤلات ذاتها على الوادى الجديد والساحل الشمالى وشريط البحر الأحمر.
وترتبط بذلك كله القدرة على مشاركة وتعبئة المواطنين لكى يصيروا جزءاً لا يتجزأ من هذا السياق الوطنى الإبداعى، ويتسع دور المواطنين ليضم العلماء والخبراء فى الداخل والخارج والدور الحتمى لشباب مصر الواعى المبدع دون تحيز، لأن بناء الوطن مسئولية جماعية، وقد يكون من المفيد أن نعطى نموذجاً للإدارة الاستراتيچية للدولة بما يحدث على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن وحدة واندماج وتنمية الدولة لم تتم إلا من خلال الإدارة الاستراتيچية لمنشئها المرحوم الشيخ زايد بين سلطان آل نهيان وأبنائه الحكام الحاليين، ومما يدعو إلى الفخر بالإدارة الاستراتيچية للدولة هناك أنها تستقبل سنوياً ما يناهز 60 مليون سائح من كافة أنحاء العالم. وهكذا، فإن الإدارة الاستراتيچية لمصر يمكن أن تساهم بالفعل فى بناء مصر المعاصرة كما نبتغيها.