بعيداً عن الصخب.. «جزيرة غمام» متعة الأداء والصوت الخاص فى دراما رمضان
يظل مسلسل «جزيرة غمام» واحداً من المسلسلات التى تملك صوتها الخاص فى دراما رمضان 2022، حالة فنية متميزة يصيغها الكاتب عبدالرحيم كمال درامياً ويحولها المخرج حسين المنباوى، ومعه مدير التصوير إسلام عبدالسميع إلى متعة بصرية خالصة، اختيار المكان وبناء الديكورات، وتفاصيل الصورة من بيوت القرية البسيطة السلالم الطينية والمصاطب، وبيت الشيخ مدين المتواضع، ومنازل من يسيطرون على الجزيرة، وخيم الغجر، وبيت عرفات على البحر، وركنه الذى يزرع فيه، كل تلك التفاصيل منحت للعمل خصوصية وجماليات خاصة للعمل الذى يدرك القائمون عليه تفاصيله جيداً، إضافة إلى صوت النجم الكبير على الحجار، وأشعار إبراهيم عبدالفتاح.
المسلسل تتعدّد فيه مستويات الحكى، فهناك القصة العادية عن تلك الجزيرة وما تشهده من أحداث، خصوصاً بعد موت الشيخ «مدين»، واكتشاف جثة «سُندس»، مقتولة فى البحر والبحث عن قاتلها، الجزيرة التى حلّت بها المصائب تباعاً، مع قدوم الغجر أو من يُطلق عليهم «طرح البحر»، الذين يرمزون لكل غريب يقتحم مكاناً دون حق، وفجأة يتمدّد داخل هذا المكان بالسحر والألاعيب، والمؤامرات، ولكن بنظرة متأنية أخرى سنكتشف دلالات الأسماء، ودور كل منها فى حجم الجزيرة، فهناك «العجمى» يجسّده رياض الخولى حاكم الجزيرة، ومساعده «البطلان» يجسده محمود البزاوى، وأبناء الشيخ «مدين» وكل واحد منهم يرمز إلى طريقة التعاطى مع الدين واستغلاله.
المسلسل الذى بدأت أحداثه بزيارة للرئيس الراحل أنور السادات 1977 إلى الجزيرة لافتتاح مصنع لتعليب الأسماك، وفى مسجد الجزيرة استمع إلى أحفاد عرفات وجزء من قصة الجزيرة، وكيف تغيّر اسمها وحمل السادات كتابه عن سيرة الجزيرة وغادر، بما يحمله مشهد الزيارة من دلالة وتأويل، ثم عاد بنا المخرج والمؤلف لعام 1919 لنعرف تاريخ الجزيرة، وكيف تغيرت خريطتها، وكيف شهدت مؤامرات، غيرت واقعها، «جزيرة غمام» عمل مختلف وبعيد عن الصخب ويحتاج إلى مشاهدة متأنية.
طارق لطفى سلاسة الأداء.. وأحمد أمين ينافس بقوة
ومن المهم الإشارة إلى ما يشهده المسلسل من مباراة تمثيلية بين كل نجوم العمل، بدءاً من طارق لطفى فى دور خلدون، حيث يثبت مع كل دور جديد يقدمه أنه موهبة استثنائية، قادر على التلوين فى أدائه بسلاسة ونعومة شديدتين، فخلدون هو الشيطان القادم والغازى لتلك الجزيرة التى تشهد كل ألاعيبه، وفتحى عبدالوهاب فى دور محارب، ومحمد جمعة فى دور يسرى الذى قدّم واحداً من أهم مشاهده فى المسلسل (المشهد الذى جمعه بالعايقة بعد أن اصطحبها خلدون إليه بحجة الحصول على فتوى تخص زواجهما، فى حين أنه كان يقصد جره إلى فخ الغواية، جمعة لم يتحدث سوى بكلمات قليلة، وكان المشهد كله تعبيرات بعينيه، وجسده، وحركته فى مقعده، ويده التى صارت ملقاة فى حجره، كأنه لا حول له ولا قوة أمام طغيان جمال العايقة) ومى عز الدين «العايقة»، والنجوم المخضرمون الذين يضيفون للعمل، ومنهم رياض الخولى ومحمود البزاوى، ووفاء عامر وغيرهم فى الأدوار المساعدة، ولكن يظل الفنان أحمد أمين الموهوب فى أداء الأدوار الكوميدية والاستاند آب كوميدى، أحد أهم اكتشافات المسلسل، صحيح أنه سبق وقدم دوراً مختلفاً وبعيداً عن الكوميديا، فى مسلسل «ما وراء الطبيعة»، إلا أن دور عرفات فى «جزيرة غمام» جعله يعيد اكتشاف نفسه وكذلك يراه الجمهور فى تجربة مختلفة، خصوصاً أن شخصية عرفات شديدة الثراء ولها أبعاد صوفية ورمزية.
وهناك خط رفيع يدركه أحمد أمين جيداً، وهو أن الشخصية إذا فلتت منه فقد تتحول إلى شخصية مجذوب، وهذا أبعد ما يكون عن شخصية عرفات، فهو العارف بأمور دينه بحب وإخلاص، والمدرك أن الإيمان يكمن فى الروح والجمال، بعيداً عن الترهيب والعقاب بالدين الذى يمثله «محارب»، أو التجارة به كما يفعل «يسرى»، أعتقد أن تلك هى بعض مفاتيح الشخصية التى أدركها أحمد أمين جيداً، لذلك فهو يقدمها وهو يمسك انفعالاتها، سواء الداخلية أو الخارجية بحرص وموهبة حتى لا تنفلت منه بعض خيوطها، ويقع فى فخ المجذوب، أو الرجل المبروك التى سبق وقدمها عبدالرحيم كمال فى مسلسله «شيخ العرب همام»، وجسّدها الممثل مدحت تيخا.
شخصية عرفات تختلف كثيراً فى تركيباتها الدرامية، وأعتقد أن الحلقات المقبلة ستكشف الكثير عنها وعن تطورات تلك الشخصية التى قد تحمل الكثير من التحولات الدرامية بعد أن صار قريباً من «العجمى» حاكم الجزيرة.. أحمد أمين بهذا الدور أثبت قدرته على التنوع وتقديم ألوان مختلفة، بعيداً عن الكوميديا.
أحمد أمين هو إحدى مفاجآت موسم دراما رمضان 2022 واختيار غير متوقع فى مسلسل «جزيرة غمام» أثبت تفوقه وتميزه.