من هى «فاتن أمل حربى»؟
هل أنت مع أو ضد مسلسل «فاتن أمل حربى».. هل لأنه يعالج قضية شائكة وتهم الكثيرات، فعلينا أن نتجاوز عن البناء الدرامى المرتبك، والميلودراما الصاخبة.. هل لأن هناك فئات بعينها تهاجم المسلسل فعلينا أن نقف موقف المدافع؟ حقيقة، كان مسلسل «فاتن أمل حربى» أحد الرهانات فى دراما رمضان، وكنت أنتظره مثل غيرى، وأعقد عليه الكثير من الآمال، متمنية أن يكون هو صوت الكثيرات من السيدات المقهورات اللاتى خرجن من سجن الزوجية غير المنصف والعنف والقهر، إلى سجن أكبر وهو قضايا الطلاق والنفقة والولاية، ومدد التقاضى التى تقتل نفوساً وتكسر أرواحاً، والمدافع عن حق الأبناء فى حياة شبه متوازنة بين والدين انفصلا ولكنهما يدركان أن فشلهما معاً لا يعنى عدم بذل الجهد لصالح الأبناء الذين لا ذنب لهم.
بدأ المسلسل بداية قوية ومبشرة.. مشاهد «فلاش باك» ذكية تم توظيفها درامياً بشكل جيد للغاية، حيث إنها تعكس تاريخ العلاقة بين «فاتن» و«سيف»، والكثير من صفات الاثنين، ولكن بداية من الحلقة الخامسة، تراجع المستوى الدرامى للعمل وصار هناك اهتمام أكثر بحشد الأفكار والخطوط الدرامية المبتورة، والتركيز على «شيطنة الزوج».
ألم يكن يكفينا مثلاً أن يكون عنيفاً وبخيلاً.. فى رأيى يجب ألا نجمع فى الزوج كل العيوب والعبر، فهو إلى جانب البخل والعنف، متحرش وخائن، ويدخل فى علاقات افتراضية مع نساء لا يعرفهن من على الإنترنت، «وكمان حرامى».. ألا يكفى بخله، ألا يكفى عنفه وقيامه بالتعدى على امرأته طوال الوقت؟
الإصرار على تكرار مشاهد التعدى عليها أكثر من مرة رغم إدراكنا وتأكدنا من أنها ليست مجرد امرأة معنّفة حصلت على الطلاق، لكنها توليفة من عشرات النساء المعنفات والمعيلات، أوصل المعنى وتأكد مراراً وتكراراً، وهى الحالة التى تكفى لصناعة عمل درامى ثرى عن تلك القضية، فلماذا كل هذا؟
وهناك أيضاً نقطة مهمة، وهى أن فاتن يبدو وكأنها لا يكفيها صراعها فى المحاكم ومحاولاتها الحصول على أبسط حقوق بناتها، بل يجب أن تنهال عليها المصائب، فهناك محاولة لتوريطها فى قضية رشوة، وصولاً إلى مرض ابنتها الصغرى.. لذلك فالسؤال المهم الذى يجب أن نطرحه قبل أن نجيب عن التساؤلات السابقة: «هل حقق (فاتن أمل حربى) المرجو والمنشود منه، ولماذا نتفنن فى إفساد الفرص؟».
نعم حرك المسلسل المياه الراكدة، وطرح الكثير من التساؤلات حول قانون الأحوال الشخصية، وألقى الضوء على قضايا الطلاق، وما تعانيه المطلقات فى المحاكم، والثمن الذى يدفعه الأبناء، وهذا أمر مهم، ولكن كان من الممكن أن تكون رسالة وتأثير المسلسل أقوى بكثير، بعيداً عن الخطوط الدرامية المتعدّدة والمبتورة، والرغبة فى الحديث عن كل القضايا الشائكة التى تُعد المرأة طرفاً فيها دفعة واحدة، مثل قضايا (المواريث، والأخذ بشهادة النساء فى أقسام الشرطة أو المحاكم، وإسقاط الولاية عن المرأة المطلقة فى حالة زواجها)، والمفارقة أن بطلة العمل تنفى طوال الوقت تفكيرها فى الزواج مرة ثانية، إذاً فما جدوى كل تلك المشاهد من تردّدها على دار الإفتاء، وذهابها مع الشيخ يحيى إلى رجال دين آخرين، ثم المشاهد التى تجمعها بالشيخ يحيى فى أماكن عامة وقيامه باصطحابها إلى المنزل مرتدياً زيه الأزهرى.
تلك المشاهد لم تخدم دراما المسلسل وقضيته الأساسية فى شىء، ولكن على العكس تماماً، حيث جسّدت الارتباك الدرامى، وأن الكاتب مهموم بإلقاء أفكار لا أكثر ولا أقل، إضافة إلى الاهتمام باستعراض نماذج مختلفة من رجال الدين، ما بين المتشدّد أو الباحث عن الـ«تريند»، وتجار الدين، فى مقابل نموذج «الشيخ يحيى»، «والشيخ ريحان معلم القرآن».
والسؤال: «ألم يكن من المهم التساؤل عن التربية والوعى الثقافى والمجتمعى؟»، لأنه بالتأكيد ليس رجال الدين فقط هم سبب الأزمة، فالطلاق أزمة مجتمعية متشابكة ومركبة.
الرغبة فى طرح كل تلك التفاصيل وإلقاء الكثير من الأفكار، انعكست بشكل كبير على الصياغة الفنية للعمل، ومن الواضح أن السيناريو اهتم أكثر بحشد الأفكار والمواقف الميلودرامية الصاخبة دون التدقيق فى تطور الدراما وتصاعدها لخدمة الخط الرئيسى المتعلق بصراع «فاتن» فى ساحات المحاكم.
ويبدو أن اشتراك أكثر من شخص فى الكتابة، إلى جانب مؤلف العمل الكاتب إبراهيم عيسى، لم يشهد تنسيقاً كافياً، مما أظهر تبايناً فى الأسلوب من مشهد إلى آخر. كما أن السيناريو اعتمد على كل ما يُثار على مواقع التواصل الاجتماعى وفى المنتديات النسائية حول مشكلات المرأة المصرية، مثل الطلاق والميراث والعنف الأسرى، إلخ، وتم حشدها جميعاً فى العمل، مما أدى إلى خروجه كمنشور من إحدى المنظمات النسوية، أو كمجموعة من مقالات الرأى، بينما كان من الممكن التركيز على قضية واحدة والغوص فى تفاصيلها بعمق، حتى يخرج العمل بشكل مقنع للجميع.
مثلاً حتى الحلقة الـ20 لا نعرف ما مواد قانون الأحوال الشخصية التى رفعت فاتن من أجلها قضية فى المحكمة الدستورية، ذلك بالإضافة إلى الأسلوب المباشر الذى يتحكّم فى حوار الشخصيات، فمن حين إلى آخر تكرّر «فاتن»: «أنا واحدة اتاخد (أُخذ) منى كل حاجة»، «أنا ست (امرأة) وهو راجل»، و«لو رُحت أشهد فى المحكمة مش هياخدوا بشهادتى، بيعتبروها نص (نصف) شهادة»، «هذا قانون ظالم لازم يتغير، وهو المعنى الذى كررته فى الحلقة 21، رغم أن الدراما وتصاعد الموقف كان يجب أن تُبنى على مرض ابنتها التى أصبحت فى حاجة إلى علاج لمدة عامين، وهى لا تزال غير قادرة على الحصول على نفقتها، رغم مرور عام على طلاقها.
قد أتفهم تلك الحالة لأن المباشرة قد تكون أكثر تأثيراً من وجهة نظر الكاتب فى قضية مثل هذه، ولكن كان من الأفضل الغوص أكثر فى شخصية فاتن أمل حربى، وتقديمها كشخصية من «لحم ودم» حتى يتعرّف عليها الجميع.
أما الشخصيات حول «فاتن» من صديقاتها فمعظمها أحادية وكأنهن موجودات فقط فى المشاهد دون تأثير حقيقى فى تطور الدراما فيما عدا صديقتها التى تعرّضت للضرب والعنف من جانب زوجها.
على المستوى الفنى، المسلسل يحفل بالعناصر المميزة، مثل التصوير، والموسيقى التصويرية والديكور والملابس التى تناسب الحالة الدرامية.
الأداء المتميز للفنانة نيللى كريم التى تعمل على الشخصية بكامل تفاصيلها وانفعالاتها أحد أهم أسباب متابعة المسلسل.
أداء الفنان شريف سلامة فى الحلقات الأولى كان لافتاً، لكنه بعد ذلك صار يعتمد على «الزعيق والصوت العالى» طوال الوقت، والمبالغة فى الانفعالات للتعبير عن فجاجته، وهو ما أفقده البريق.
عين محمد جمال العدل، ورؤيته الفنية ناضجة، بدءاً من اختيار أماكن التصوير، والجو القاتم فى الكثير من المشاهد، الذى ساعده على تحقيقه والتعبير عنه مدير التصوير محمود يوسف، وشريط الصوت وتوظيف أغانى الفنانة وردة فى أكثر من موقف درامى.