الموت المجانى

محمد الشيخ

محمد الشيخ

كاتب صحفي

تذهب الأم إلى أبنائها تودعهم فى فراشهم فى تمام التاسعة مساءً، استعداداً للاستيقاظ باكراً ليوم دراسى جديد، لا يخطر على بالها أنها تودعهم ويودعونها فى آخر لقاء يجمعهم، تطفئ الأنوار وتخلد إلى النوم، فتستيقظ على صراخ أطفالها، وقبل أن تهرول للاطمئنان عليهم تكون قد فقدت حياتها بعد سقوط سقف منزلها فوق رأسها، المصير نفسه كان بانتظار الأطفال فلقوا حتفهم فى الحال، مشهد يعتقد البعض أنه جزء من مسلسل درامى أو فيلم مأساوى، لكنه فى حقيقة الأمر واقع يعيشه المصريون كل يوم، فتلك الأم يمكن أن تكون إحدى ضحايا انهيار عقار المطرية الأخير، أو أحد عقارات الإسكندرية التى سقطت الواحد تلو الآخر، أو عقار طوسون، الذى راح ضحيته العشرات منذ سنوات، تعددت الانهيارات والموت واحد، والفساد متعدد الأشكال والأنواع، يكبر بمرور الزمن، أصبحنا نستيقظ على أسماء ضحايا ومانشيتات صحف تبدأ بكلمتين مكررتين «كارثة جديدة». ينشغل الجميع بتغطية الحدث، جهة تحاول رعاية المواطنين المصابين الذين كُتب لهم عمر جديد، وجهة أخرى تسعى لإحصاء المتوفين، ووزير يزور مكان الحدث، وآخر يطالب بمحاسبة المسئولين، وبرقيات عزاء تملأ الجرائد والمواقع الإلكترونية، وكنائس تقيم قداسات العزاء، ومساجد يرفع أئمتها أيديهم بالدعاء والمغفرة للضحايا، راجين الله أن يجعلهم فى منزلة الشهداء، وبعد انتهاء مولد الصراخ والعويل والتشدق بالسؤال عمن المسئول، ومن يحاسب من، ينتهى الأمر بدفع التعويضات وفقاً لرؤية الحكومة لثمن كل مواطن مصرى مات بسبب إهمال الدولة. ما هى إلا أيام إلا ويسدل الستار عن الحادثة بكل ما فيها، لا نعرف. من تمت محاكمته؟ لا أحد. هل أُخذ بثأر الضحايا، أم تحللت أجسادهم ومرت سنوات دون إدانة تُذكر، فساد وراء فساد، كلما غابت العقوبات زاد معدل الجريمة. نسمع فى دول أخرى إقالة حكومات بسبب سقوط ضحايا أهملتهم الدولة، ولكن فى مصر فقط لا يتحرك ساكن، محافظ القاهرة يستمر فى عمله دون أن يكلف نفسه عناء التفكير فى مسئوليته عن الحادث. قرار إزالة ظل حبيس أدراج سيادته حتى أزال العقار نفسه على رأس سكانه، ولِمَ لا إذا كان المسئول الأكبر منه وزير التنمية المحلية لم يستشعر الحرج للحظة، ليعلن عن عدم قدرته على تحمل المسئولية لا باستقالة أو إعلان أنه أحد المقصرين المتسببين فى إزهاق المزيد من الأرواح، الذى بنى عقاراً بلا أساسات يبنى 10 عقارات دون محاسبة تذكر، والتاجر يرثه أبناؤه فيصبحون تجاراً فاسدين بالفطرة، ومحليات لا صوت لها إلا فى رفع أنقاض العقارات، غابت عن متابعة الأساسات والتراخيص ومحاسبة المتهمين وحضرت فقط لجمع الفتات وإلقائه فى الصحراء، لم تعد مصر بلد الأمن والأمان، بل بلد الموت المجانى، من يريد الموت أسفل أنقاض سيجد له مكاناً، ومن يريد أن يموت حرقاً فى أوتوبيس رحلات سيجد مقعده جاهزاً فى انتظاره، أو أن تسقط به معدية دفع لها 25 قرشاً تذكرة ذهاب إلى الآخرة، وسائل كثيرة غير مكلفة، لا يدفع ثمنها سوى البسطاء، فحياتهم بلا ثمن بسبب مجموعة من المنتفعين، ومجموعة من المسئولين اسماً فقط وهم منتفعون فاسدون من نوع آخر، حين يغمضون أعينهم من أجل الحفاظ على المنصب، ويتعاملون بذاكرة أشبه بذاكرة السمك تنسى الحدث بكل ما كان فيه بمجرد أن تغلق صفحته لجان تقصى حقائق لا نسمع عنها إلا أيام المزايدة على جثث الضحايا فقط، لا نتائج ولا محاسبة، ولا حتى سجن ليوم واحد. إذا كانت مصر تواصل حربها على الإرهاب، فما فائدة ذلك إذا كان من الأولى أن نبدأ الحرب على الفساد أولاً؟!