أبناء «الورق»
فى عُرف الصحفيين، نحتفظ بقصاصات من ورق الجرائد، نطلق عليها مصطلح الأرشيف، يوضع فى مجلد أنيق للعرض على لجنة النقابة قبل اجتياز اختبارات العضوية.. وبالحصول عليها يتخذ المجلد موضعه داخل مكتبة المنزل، قد تزوره يد صاحبه أحياناً مختلفة، ومع كل اطلاع تتجدد الذكريات.. هنا كان لنا موقف، وهناك كانت لنا نصرة.. هنا قامت الصحافة بدورها، وهناك خزى للجماعة الصحفية لا نود أن نتذكره أو أن يعود.
لم أحتفظ بأرشيفى فى الوطن، كما فعلت فى «المصرى اليوم»، فليست لى حاجة للاحتفاظ بما أراه وأعيشه يومياً، 10 سنوات كاملة فى حراك، البلد وأنا وكل من حولى، لا يوجد شىء ثابت، تجارب نمر بها لأول مرة فى حياتنا المهنية، ومواجهات اعتدنا أن تتم بالقلم والفكر، قبل أن تتحول لمواجهات جسدية، نقف نحمى مقرنا ضد غزاة حازم ابن الأمريكية، ونواجه المولوتوف الذى يُرمى على الواجهة الزجاجية، ونودع بعضنا بعضاً فى كل لقاء، بعد أن وضعت أسماء الصحفيين ورؤساء التحرير على قوائم الاغتيالات.. مواجهات لم تكن أبداً فى قاموس السلطة الرابعة، هى سلطة بما تملك من قدرة على تغيير الواقع ومواجهة الفساد وحماية المجتمع، سلطة سلاحها ذلك الورق الأصفر الذى نحتفظ به فى أرشيفنا يروى عنا ما قد يدفعنا الزهد والحياء وقيم التواضع لإخفائه أو عدم البوح به.. لكنه يظل حقيقة لا ينكرها التاريخ، والذى تشارك «الصحافة» بشكل أو بآخر فى توثيقه وتسجيله وكتابته.
طالعت قبل أيام الأرشيف الصحفى لزملائى المعينين الجدد. كانوا يستعدون لتقديمه للجنة نقابة الصحفيين المنعقدة مؤخراً، بعضهم أرسل لى «لينك» لأرشيفه كى أساعدهم على اختيار الأفضل من الموضوعات تمهيداً لطباعتها وختمها، وبعضهم وضع ملاحظات إلى جوار كل موضوع، مرات القراءة وعدد مشاهدات الفيديو، والوقت الذى قضاه القراء فى تصفح الموقع من خلال الخبر.. سألتهم فى اندهاش: فين ورق الجورنال المقصوص؟.. تنوعت الإجابات وتباينت، لكنها استقرت عند معنى واحد «الديجيتال أسهل».
حقيقةً.. تؤلمنى تلك المعركة التى تندلع من آن لآخر، بين فريقى الصحافة الورقية والإلكترونية، مَن الذى شعّبهم فرقاً، مَن الذى وضع حدوداً بين هذه وتلك، هى نفسها الرسالة والمعايير والأخلاقيات، لا يوجد شىء مختلف سوى المتلقى ووسيلة الوصول إليه، هل تنافس المسرح والسينما فى يوم ما على الأفضلية، قبل أن يأتى التليفزيون ويسبب لكليهما خسائر بالملايين على مستوى الإبداع والاستحواذ؟.. انطلق «الوطن» جريدة ورقية، لها موقع إلكترونى، هذه النشأة هى الأصل، جميعنا أبناء الورق الأصفر، فريق من الصحفيين المهرة فى ملفات ومجالات مختلفة، التحول السياسى والديمقراطى، وتطورات السوق الاقتصادية جميعها تدفع للتخلى عن الورق الأصفر، تكلفة الطباعة والتوزيع ودور الصحف بشكل عام، أمور كان لا بد لها من وقفة لإعادة النظر.. إذن، الحل ليس التخلى ولا الإغلاق، الحل كان فى التحول الرقمى، الذى تسير إليه الدولة فى كل قطاعاتها، فما عجب أن تسير إليه الصحافة أيضاً.. وهى أولى؟!
بدأ التحول، بدأ بى، وأنا ابنة أصيلة لصحافة الجريدة الورقية، أقرأها بحب، أطبع بصماتى الملطخة بحبر الجريدة على وجهى دون قصد، أضحك حين أتذكر نفسى وأنا أقنع الزملاء بأن الفائض الذى لا تستوعبه صفحات الجريدة له مكان آخر «أرميه على الموقع»، ظل هذا عهدى لسنوات، قبل أن يعهد إلىَّ الدكتور محمود مسلم بالمهمة.. وقفت أمامه كطفلة لا تدرك ماذا ألقى فى وجهها «أنا يا ريس.. أنا..؟!» وقبل أن أكمل كانت عبارات التهنئة والثقة تنهال علىّ.
أتذكر جيداً كلمات القائد والمعلم «مسلم»: كلنا هننزل الموقع.. انزلى بدرى واتعلمى بسرعة هيفرق معاكى».. قد لا يعلم كثيرون أن التحول الرقمى فى «الوطن» قاده أبناء «الورقى»، تعلمنا جميعاً لغة المواقع، وأصبح الأنالتكس وكراود تانجل وكل أدوات القياس الرقمية هى شغلنا الشاغل، خبرة الورقى والديجيتال علّمتنا أن «الموضوع الحلو سيقرأ فى كل سياق»، وأن «المحتوى هو الأصل»، وأن من حق القارئ أن نصل إليه بكل الطرق التى تناسبه، وأنه لا يوجد قارئ للموقع وقارئ للجريدة، بل يوجد «قارئ للوطن» له حقوق وعلينا جميعاً أن نلبيها.
كنت أطالع أرشيفى من حين لآخر وأترجمه ديجيتال، وأتحسر على موضوعات صحفية مهمة أنتجت قبل عصر المواقع، كان أفضل طرح لها هو أن تكون عبر موقع إلكترونى، بكل التقنيات التى يتيحها الديجيتال لقرائه، وتحول ندائى «ارميه على الموقع» إلى «بسرعة انشر على الموقع.. وما تنساش تقرير الورقى»، وتغيرت الأولويات ومن ثم دورة العمل، من حق القارئ أن يعرف ويرى ويحلل.. كل هذا دون خروج عن رسالة الصحافة وما تفرضه علينا من قيم مهنية.
اليوم أحتفل بـ10 سنوات داخل حضن «الوطن»، نصفها على الأقل أُشرف على الموقع ومحتواه وجزء أصيل من عملية التحول الرقمى التى تمت فى المؤسسة كلها، أعترف هنا بفضل هذه التجربة، منحنى موقع «الوطن» حيوية العشرينات، فقد طوّرنى العمل مع الشباب والخريجين الجدد، منحتُهم من خبرتى، ومنحونى من خيالهم وانطلاقهم وحيويتهم، تعاهدنا أن نتبادل المنفعة، فكان المستفيد الأول هو «القارئ».