«الاختيار 3».. المسمار الأخير

شريف حلمي

شريف حلمي

كاتب صحفي

عندما تصبح الحقائق جلية، لا تخطئها عين، ولا يتجاهلها صاحب عقل، يصبح وقعها أكثر تأثيراً وأكثر فاعلية.

الحديث هنا عن مسلسل الاختيار الجزء الثالث بالتحديد، ولا نسعى فى هذا المقال لتحليل أو نقد فنى للعمل، بقدر ما هو قراءة لمدى تأثير هذا المسلسل الدرامى على الواقع، باعتباره تجربة فريدة كسرت الكثير من قواعد الدراما وقوانينها التى كانت سائدة.

فأحداثه معاصرة لم يمر عليها سوى بضع سنوات، وتفاصيل ما حدث لا تزال تُروى بشكل أو بآخر، على أجزاء متناثرة، ولكن أن يتم تناول كل الأحداث التى مرّت بها مصر بين عامى 2012 و2013 أثناء حكم الإخوان، بشكل كامل ومتسلسل ومترابط مطعمة بمشاهد تسجيلية رائعة تم وضعها فى أماكنها وسط الدراما، فزادت اليقين يقينا وزادت الأدلة بأدلة دامغة، فهنا كان التأثير الكبير لمسلسل «الاختيار 3» على المتلقين أو المشاهدين أو المواطنين.

لا نستطيع أن نُنكر أن هناك فئة -ولو ضئيلة- كانت تحمل قدراً من التعاطف مع الإخوان، أعتقد أن أحداث «الاختيار 3» قد حسمت الأمر بداخلهم على الأقل، بل وتعدى التأثير ذلك بظهور بعض من أعضاء الجماعة أنفسهم وأعلنوا عن موقفهم، واعترفوا بأن «الاختيار» كشف لهم الحقيقة، وأجاب عن تساؤلات كثيراً ما دارت فى عقولهم، حول فشل الجماعة ورئيسها ومرشدها فى المهمة التى قُدّمت لهم على طبق من فضة، وكشف لهم المسلسل عن نُبل رجل ظل وفياً لقَسمه، وحاول بكل ما يستطيع تصحيح المسار، بل حاول المساعدة حتى تسير الأمور بشكل طبيعى، ويصبح محمد مرسى رئيساً لكل المصريين، لقد رأوا بالأفعال والأحداث الموثّقة دور المشير عبدالفتاح السيسى، وزير دفاع مصر فى تلك الحقبة الزمنية، ومن خلفه الجيش، فى المحافظة على الوطن، ورغبتهم الصادقة فى أن تسير الأمور بشكل سلس، رغم حجم المؤامرات التى حيكت على مصر من الخارج والداخل، وتأكدوا أن الذى كان يحكم مصر فى هذا العام المظلم هو مكتب الإرشاد، ورأى بعينيه حجم تهديدات خيرت الشاطر، وعنصريته ومؤامراته وغيرها من الحقائق.

نعم هناك من تنصّل من الجماعة، بعد «الاختيار 3» وشاهدنا جميعاً أعضاءً من الجماعة على شاشات التليفزيون يعلنون توبتهم ويعترفون بأنهم ضُللوا وكفروا بفكر الجماعة المتطرف، نعم هناك كثيرون كانوا ما زالوا يتعاطفون، اختفى تعاطفهم، وأدركوا حجم خطئهم، وصحّحوا المسار، وعرفوا أنهم كانوا يتبعون قادة فاسدين متآمرين، لا يعترفون بكلمة وطن وليس لهم عهد ثابت.. نلمس هذا بين الناس وممن علق على وسائل التواصل الاجتماعى، ونحن لا نزال فى البداية، فالمسلسل انتهى عرضه الأول منذ أيام قليلة، وقد أحدث هذا التأثير، ما بالك عندما يُعاد مرات ومرات، ويستوعبه من لم يتابعه فى رمضان بسبب زحمة المسلسلات أو كثرة الإعلانات، لذا يجب أن يُعاد عرض هذا الجزء بالتحديد دون فواصل إعلانية فى وقت ليس ببعيد، لأنه من نوعية الأعمال التى ستكون وثيقة دامغة سيذكرها التاريخ وسيخلد مثل الأفلام العظيمة التى تحتفظ بها ذاكرة السينما، نظراً لقيمة ومصداقية المحتوى الذى قدّمه.

نعم كما قال فخامة الرئيس كان ضرورياً توثيق تلك المرحلة فى هذا التوقيت بالذات، لما تحتاجه من أمانة ومصداقية فى الطرح، طرح الحقيقة كما حدثت، حتى لو أثر هذا الطرح على الإيقاع الدرامى المتعارَف عليه فى المسلسلات التليفزيونية، ولكن يبقى المحتوى والأهم والأولى بالتدقيق، ومع ذلك فقد استطاع المخرج المتميز بيتر ميمى إيجاد إيقاع خاص للمسلسل، خاصة أن الأحداث الدرامية كانت تتخللها مشاهد تسجيلية، وهو نوع من الدراما يطلق عليه الدكيودراما، والحقيقة أن اللقطات التسجيلية زادت الأحداث إيقاعاً وزادت المحتوى مصداقية فكان التأثير الكبير، صحيح أن هناك من تفرّغ لانتقاد المسلسل، خاصة من فلول الإخوان الهاربة، ولكن بقى التأثير الإيجابى للمسلسل أكثر بكثير مما كان متوقعاً.

أما فى ما يختص بالاسم المعجز وهو (الاختيار)، فأذكر أن فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى هو من طرحه فى أحد لقاءاته، وفى متن حديثه عن أهمية الوعى وضرورة الاهتمام بالمحتوى، وفى إطار مقارنة ذكية بين اختيار أحمد المنسى وهشام عشماوى، ومن هنا ظهر لنا «الاختيار 1» وكان رائعاً، و«الاختيار 2»، الذى لم يقل عنه جمالاً، ثم جاء «الاختيار 3»، الذى دق المسمار الأخير فى نعش جماعة الإخوان وكشف أساليبهم وطرقهم الملتوية وأهدافهم الحقيقية أمام جموع الشعب، أمام الرجل البسيط الذى لا يعرف السياسة ولا يقرأ التحليلات، ولا حتى يتابع نشرات الأخبار، حسمت الأمر لديه، وصلته الحقيقة كاملة دون تزييف، ودون تجميل، وإن كان المسلسل لم يعرض كل أفعالهم المشينة، يمكن نظراً لضيق الوقت، أو أن الأحداث تحتاج إلى مسلسلات أخرى.

لذا فإن المحافظة على اسم «الاختيار» كخيار درامى مهم، لأن فى الاسم نفسه صراع (اختيار) والصراع أساس الدراما، ويمكن أن نقدّم الاختيار 4، و5، و10، والموضوعات كثيرة، حتى ولو كانت موضوعات تبدو بسيطة، مثل وجود موظف شريف وآخر مرتشٍ، ونرى ماذا يحدث لكل منهما ومن حولهما، وغيرها من الموضوعات، ومجتمعنا ملىء بالقصص التى تصلح أن يكون عنوانها الاختيار.. وما أحوجنا إلى تلك النوعية من الدراما التى تدق ناقوس الخطر وتفرّق بين الصالح والطالح، الخير والشر، الحقيقى والمزيف، تلك هى الدراما التى تحمل رسالة للناس، حتى لو كانت مباشرة وموجّهة، المهم أن تصل الرسالة إلى كل طبقات المجتمع، حتى يصبح لدى المواطن القدر الكافى من الوعى الذى يجعله يدرك تماماً ما هو مفيد لوطنه ولنفسه ولمن حوله ويعرف ما هو ضار ويجب نبذه.