وطن البنت الآمن .. قلب أبيها

مروة مرسي

مروة مرسي

كاتب صحفي

لم أتخيل وأنا أتقدم للعمل بصحيفة «الوطن» عند تأسيسها أن القدر يخبئ لى فى هذا المكان السند والدعم اللانهائى فى حدث جلل ستشهده حياتى بعد سنوات كثيرة.

لم تكن «الوطن» مكان عمل أحببته فقط وكنت معه منذ البدايات، بل كان موطناً دافئاً فى أصعب اللحظات وأجملها حتى مع قدوم الذكرى الأولى لرحيل أبى جاءنى قرار ترقيتى من الدكتور محمود مسلم، رئيس تحرير الوطن، لأصبح نائباً لرئيس قسم المحافظات، وكأن الله أراد أن يجعل هذا المكان وزملائى هم العوض الجميل بعد الفقد الكبير الذى عشته على مدار عام كامل.

رحيل أبى العام الماضى جعله الأصعب طوال حياتى، أدركت معنى تحمل المسئولية.. أدركت أنى أصبحت كبيرة بالعمر، أدركت حينما فقدت أبى أننى فقدت الأمان، دفنت جزءاً من روحى أصبحت مسئولة عن كل قراراتى وأفعالى بعد أن فقدت شريكى وحبى الأول.

عام مر عرفت فيه كل أنواع الألم، ألم يصعب وصفه، لم أكن أعلم أننا من الممكن أن نشعر بألم داخلى دون القدرة على وصفه بشكل حقيقى، حتى وإن كنت أعمل فى مهنة الكتابة ولكنى شعرت بالعجز عن وصف ما بداخلى، رحل أبى من الدنيا لكنه ترك بداخلى جزءاً منه يعيش معى يومياً، لم ترحل كلمات أبى، لم يرحل دعمه، لم يرحل صوته، لم يرحل وجهه البشوش، كان يعلم جيداً أنه يوماً ما لن يكون معى، لذلك كان يقول لى «أنتِ رصيدى فى الدنيا».

أسير على خطى أبى، منذ التحاقى بـ«الوطن» مع أول سنة تأسيس، ومع أولى خطوات النجاح الحقيقى بعد تخرجى من الكلية، كانت نصائحه: أحبى عملك.. اجتهدى.. انجحى فمذاق النجاح مختلف، اجتهدت وكنت شخصاً محظوظاً وهبنى الله نعمة حب العمل وحب زملائى، حينما رحل أبى لم يطيب قلبى إلا كلمات كل رؤسائى وزملائى فى العمل، لم يهدأ قلبى إلا حينما أدركت معنى أن يكلل الله تعبك بحب كل من حولك، كنت أسكن قلب أبى.. «الوطن الآمن».. جاءت منحة الرب فيض مشاعر ودعماً لم أكن أتخيله فى جريدة «الوطن»، حيث أعمل، بداية من أستاذ محمود مسلم رئيس التحرير، ومديرى التحرير «إحنا جنبك» ووالدى الثانى أستاذ صلاح البلك الذى أصبح أباً لى، وزملائى فى كل الأقسام وهم يقفون معى ويرسلون كل كلمات الحب والدعم، بكيت حينما بكى الكثير من زملائى وهم لا يعرفون والدى، مجرد حزنى أوجعهم، بكيت حينما قال لى أحد الزملاء «حزنّا على رجل أنجب لنا مروة»، وقتها شعرت أنها طبطبة من الله وأنه يريد منى أن أشعر بنعمة حتى مع إحساسى بالألم والفقد.

أدركت وقتها أنى سأرحل مثل أبى وأن سيرة أبى العطرة الطيبة مرتبطة بنجاحى وأخلاقى وعملى، وقتها بدأت أشعر أن النهوض صعب ومؤلم ولكنه ضرورى، صدمت فى أفعال ممن كنت أعتقد أنهم أصدقاء، وكأن الله فى لحظة كشف لى كل وجوه مَن حولى، وكانت أهم نعمة من الله كشف الوجوه على حقيقتها، التى كانت بعضها وجوهاً جميلة سنداً وحباً حقيقياً، وأخرى وجوه أصبح لا مكان لها ولم يعد لها مكان فى قلبى.