وقف يسرى فودة ومنى الشاذلى، هذان المذيعان المرموقان ليقدما إلينا، على شاشة التليفزيون، تلك المناظرة التاريخية بين السيد عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق، والدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، الطبيب والمناضل السياسى الإسلامى، باعتبارهما مرشحين لرئاسة الجمهورية، من أجل زيادة تعريف الناس بالمرشحين، ومساعدتهم على تكوين رأى واختيار الأفضل.
عندما قرأت الإعلان عن المناظرة فى جرائد الصباح، عقدت العزم، بلا تردد، على الجلوس لمشاهدتها مهما طالت، وعلى أن أتحمل أى قدر من الإعلانات التى لا بد أن تتخلل المناظرة. ألا تتوقف أشياء كثيرة، تتعلق بمستقبل الوطن، على شخصية من سيأتى رئيساً للجمهورية؟ أولا يقال لنا أيضاً إن هذين الرجلين هما أكبر المرشحين فرصة بالفوز بالمنصب؟
بدأ المذيعان المرموقان بالتأكيد على أن ما سوف يبدأ بعد قليل هو حدث تاريخى سواء لمصر أو للعالم العربى كله، إذ لم يسبق أن ظهر على شاشة التليفزيون فى أى بلد عربى وفى أى حقبة من التاريخ، مناظرة بين مرشحين لرئاسة الجمهورية، والسبب بالطبع أن الناس فى العالم العربى لا يختارون رئيسهم بل يتم إخطارهم به. وإذا كبر الرئيس فى السن ورثه ابنه أو أخوه إذا كان ملكاً، وابنه أو نائبه إذا كان رئيساً للجمهورية، والنائب أيضاً يتم اختياره من جانب الرئيس دون استشارة الناس وبلا سبب معلوم أو مفهوم. فيالفرحتنا إذن بهذه الفرصة العظيمة لممارسة حرية الاختيار!
لا أخفى على القراء أننى على الرغم من اهتمامى بالمناظرة وجدت فى هذه المقدمة التى تصفها بأنها تمثل تقدماً كبيراً فى تاريخ العرب مبالغة شديدة فى تقدير أهميتها. إنى أفهم بالطبع كيف أن المبالغة مطلوبة فى هذه الظروف، بل وضرورية، بما فى ذلك الدعاية الواسعة التى سبقت المناظرة، بسبب ما أصبح يحتله التمويل من أهمية فى كل شىء فى حياتنا اليوم.. إن لهذه المناظرة تكاليف باهظة «من أجور المذيعين إلى مكافآت المساعدين، إلى تكاليف الديكور، إلى نفقات الدعاية للمناظرة، فضلاً بالطبع عن حجم الأرباح المنتظرة من جانب مالكى القنوات التليفزيونية.. إلخ».
وهذه التكاليف الباهظة لا يمكن أن تغطى إلا بإيرادات الإعلانات، ولو كانت إعلانات عن أشياء بعيدة الصلة بالسياسة أو مستقبل الوطن، مثل صابون غسيل الملابس، وزيوت الشعر، ومختلف أنواع الجبن والسمن والبطاطس والمشروبات الغازية.. إلخ. وحجم الإعلانات يتوقف على عدد المشاهدين المتوقعين، وعدد المشاهدين يتوقف على درجة المبالغة.
ولكن مع التسليم بأهمية الإعلانات وضرورة المبالغة فهل صحيح أن حدوث هذه المناظرة يمثل تقدماً كبيراً نحو الديمقراطية؟
هناك أولاً السؤال: لماذا هذان المرشحان بالذات؟ قال المذيعان إنهما حازا أكثر الأصوات فى استطلاعات الرأى المبدئية التى قام بها بعض مراكز البحوث وبعض الصحف. وأنا لا أستبعد أن تكون هذه فعلاً نتيجة الاستطلاعات رغم أنى لا أثق تماماً فى هذه الاستطلاعات، فقد تبين لى من تجارب سابقة أن نتيجتها تتوقف إلى حد كبير على طريقة صياغة الأسئلة التى تُطرح على الناس. وقد سبق لأحد المراكز التى قامت باستطلاع الرأى فى صدد هذه الانتخابات أن أعلنت، بناء على استطلاع آخر للرأى، أن المصريين لا يبالون كثيراً بالديمقراطية استنادًا على إجاباتهم على سؤال يطلب منهم ترتيب أهمية بضعة أشياء وضعت الديمقراطية فيما بينها، إلى جوار توفير الغذاء الكافى لهم ولأولادهم!
على أى حال، لماذا تكون مسايرة نتيجة هذه الاستفتاءات أقرب إلى الديمقراطية بالمقارنة بإتاحة نفس الفرصة لكافة المرشحين حتى يتعرف على آرائهم من لم يكن يعرف؟ وحتى يستفيدوا من هذه الوسيلة الرهيبة من وسائل الإعلام؟ إن حجم الحرية المتاحة، ودرجة الديمقراطية، يتوقفان على درجة اتساع دائرة الاختيار، فكلما ضاقت دائرة الخيار قلت حريتك وابتعدنا عن الديمقراطية، ومن المؤكد أن هناك أشياء كثيرة تضيق من دائرة الاختيار فى الانتخابات الرئاسية الحالية.
فلنلاحظ أولاً أن قائمة المرشحين الذين سيشتركون فى المنافسة، رغم طولها، لا تضم أسماء لبعض من أفضل الشخصيات فى مصر، وأكثرها تمتعها بتقدير الناس وحبهم، وأجدرها بالفوز بمنصب الرئيس لا بسبب عدم مبالاتهم بخدمة الوطن، ولكن بسبب ما لاحظوه من وجود أشياء كثيرة غير مريحة أو غير مطمئنة، جعلتهم يربأون بأنفسهم عن الخوض فى هذا العراك. ما هى يا ترى هذه الأشياء «غير المريحة وغير المطمئنة» التى أدت إلى خروج أمثال هؤلاء الناس من المنافسة؟ هل هو الباب المفتوح على مصراعية لأصحاب الأموال الوفيرة ومن تتدفق عليهم هذه الأموال من الداخل والخارج؟ هل هو التلكؤ المذهل والإحجام عن منع رموز العهد الماضى من الاشتراك فى المنافسة رغم ما أعلنته الثورة بما لا يدع مجالاً للشك من رفض الناس لهم ومن ثم حصول بعض المرشحين على تأييد ودعم من عناصر خفية يمكن أن يكون لها أثر حاسم فى تحديد النتيجة؟
هل هو الفشل فى وضع حد لظاهرة البلطجية التى كان يعتمد عليها العهد الماضى لإفساد أى انتخابات، ومن ثم يمكن أن تقوم هذه الظاهرة بإفساد هذه الانتخابات أيضاً؟ هل هو الإحجام عن وضع حد لاستخدام الدين فى الدعاية الانتخابية للمرشحين كما ظهر مثلاً فى السماح بذلك للتأثير فى المشتركين فى استفتاء مارس 2011 على التعديلات الدستورية؟ أم هى الشكوك القوية فى تحيز الممسكين الحاليين بالسلطة لأحد أو نوع من المرشحين دون غيرهم، كما يظهر مثلاً فى دخول بعض الأسماء حلبة المنافسة ثم انسحابها، والدفع ببعض رموز العهد السابق للترشح ثم استبعاده، وتشجيع بعضها على الدخول ثم عزلها ثم السماح لها من جديد.. إلخ؟
هكذا ضاقت دائرة الاختيار المتاحة للناس بلا مبرر، رغم طول قائمة المرشحين.. ولكن هناك أشياء أخرى تضيق أيضاً من دائرة الاختيار، من بينها الفقر وسوء توزيع الدخل. كان كارل ماركس يسخر من الديمقراطية التى لا تفرَّق بنظام اقتصادى عادل فيقول إن حرية الاختيار المتاحة للفقير فى النظام الرأسمالى هى بين أن يقبل الخضوع لاستغلال الرأسمالى أو أن يموت جوعاً! لم يعد الأمر بهذا السوء طبعاً فى الدول الرأسمالية الحالية، ولكن معظم هذه الدول الآن يقتصر الاختيار المتاح فيها على المقارنة بين حزبين كبيرين يحوزان قوة مالية هائلة ويحتكران السيطرة على وسائل الإعلام، مما تحرم منه الأحزاب الأصغر والمرشحون المستقلون رغم جدارتهم. لا عجب أن يُظهر مواطنو هذه الدول، أكثر فأكثر، سأمهم من لعبة تدور بين عدد محدود من اللاعبين، ليسوا هم أفضل الناس أو أكثرهم جدارة بتولى الحكم، ومن ثم تميل نسبة المشتركين فى عملية الانتخاب إلى الانخفاض عاماً بعد عام.
إن شيئاً مشابهاً لذلك يمكن قوله عن احتكار الكبار عندنا لحلبة المنافسة، على حساب الأصغر والأجدر، كما يمكن أن يقال عن القدرة على كسب الأصوات بتوزيع الكميات الكافية من بعض السلع الضرورية كالأرز والزيت والسمن أو باستخدام شعارات الدين فى غير ما وضعت له، بل لتحقيق مكاسب سياسية لا صلة لها بالدين.
لا بد من الاعتراف بالطبع بأن دائرة الاختيار المتاحة الآن أوسع مما كانت فى العهود الثلاثة التالية لثورة 1952. كان اختيار رئيس الجمهورية فى العهود الثلاثة محصوراً فى شخص واحد، وبدلاً من انتخابات الرئاسة كان هناك استفتاء بنعم أو لا، واستمر هذا طوال حكم عبدالناصر والسادات ومبارك. فلم تكن هناك طريقة لتغيير رئيس الجمهورية سوى إحدى طرق ثلاث: الوفاة أو القتل أو الثورة، وقد كانت هذه طريقة التغيير التى وقعت بالفعل فى العهود الثلاثة على التوالى. لم تكن الانتخابات وسيلة متاحة فأصبحت متاحة ولكن عهد حسنى مبارك ابتدع شكلاً آخر للاختيار فحاول الترويج للقول بأن البديل الوحيد لنظامه هو نظام دينى متطرف، لدرجة قيام النظام الحاكم نفسه بتنظيم بعض الأعمال الإجرامية والاعتداء على الأقباط ونسبتها إلى «الإرهاب الدينى» حتى يرضى الناس على المرّ، تفضيلاً له على الأمرّ منه.
ولكن يبدو، للأسف الشديد، أن هذه الطريقة فى تضييق دائرة الاختيار استمر اتباعها حتى بعد ثورة 2011، أى وضع الناس أمام اختيارين لا ثالث لهما: المرّ والأمرّ منه، فإذا كان الهدف بعد سقوط حسنى مبارك هو تسليم الأمور إلى رجاله مرة أخرى أو إلى فلوله، فليكن «الأمرّ» من ذلك هو حالة الفوضى الأمنية، وأحداث السلب والخطف والحرق وقطع الطرق وتوقف السياحة والاستثمارات ونضوب الاحتياطى النقدى.. إلخ. حتى يقول الناس بعضهم لبعض: «ألم يكن عهد مبارك أفضل؟». وعندما يحين موعد الانتخابات الرئاسية يقولون: «أليس فلول عهد مبارك أفضل؟» وكأن من المستحيل إعادة الأمن، وإصلاح الاقتصاد والقضاء على البطالة إلا بعودة الفلول!
ليس هذا فحسب بل هناك نفس التخويف من شىء شبيه بالإرهاب الدينى وهو التطرف السلفى فيقال للناس: إما الرضا بالفلول أو بالتطرف السلفى، وكأن من المستحيل أن يأتى رئيس لا هو بالفلول ولا هو متطرف سلفياً!
هكذا ترى أن الديمقراطية الوليدة لا تحتاج أبداً إلى أى تزوير «أو لا تكاد تحتاج إلى ذلك»، فالتزوير طريقة قديمة عفا عليها الزمن مع حلول عصر التليفزيون والإعلام الجبار، بل إن من الممكن فى هذا العصر ترتيب مناظرة رائعة تبدو محايدة تماماً، وتتخللها إعلانات عن سلع خلابة وتضمن مع ذلك تحقيق النتيجة المرجوة. فيالها من ديمقراطية بديعة!