الأمن الدوائى.. خيار استراتيجى

لا صوت يعلو فى العالم كله فى الأيام الأخيرة فوق صوت الأزمة الاقتصادية التى تضرب أسواق العالم كله.. لم تنجُ دولة واحدة من ارتفاع غير مسبوق فى معدلات التضخم.

وسط كل هذا اللغط يبقى الدواء تحديداً إحدى أهم السلع التى تتأثر بشكل مباشر باضطرابات الاقتصاد.. ويبقى الأمن الدوائى أحد أهم ملفات الأمن القومى للدول.

فى البداية ينبغى أن نعترف أن ملف الدواء فى مصر فى حاجة إلى نظرة شاملة.. فالدواء سلعة ذات طبيعة خاصة للغاية.. وضمان توافره للمرضى بشكل منتظم هو هدف استراتيجى لكل الحكومات دون تمييز.

الدولة المصرية كان لها السبق عن كثير من دول العالم فى تصنيع الدواء منذ النصف الأول من الألفية الماضية.. ورغم عراقة الأمر.. إلا أنها تعتبر من أكثر الدول التى لم يتحقّق بها «الاستقرار الدوائى» حتى الآن.. وهو أمر لا ينبغى أن يظل معلقاً حتى الآن ونحن بصدد بناء جمهورية جديدة مختلفة عما سبق بشكل جذرى.

فرغم امتلاك مصر ما يقرب من ١٤٥ مصنعاً مرخّصاً، بالإضافة إلى عدد ليس بالقليل من المصانع تحت الإنشاء.. إلا أن كل هذا العدد لا يوفر سوى ٦٥٪ من احتياجات مصر من الأدوية المطلوبة.. الأمر يعود إلى تكرار تسجيل الكثير من المواد الفعّالة بأسماء تجارية مختلفة دون أى ميزة لأحدها عن الآخر.. والسماح بتسجيل أدوية جديدة كل يوم بنفس المواد الفعّالة دون أى شروط تجعل التسجيل مقتصراً على سبيل المثال على الأصناف الجديدة فقط، أو التى لا تحمل بدائل فى السوق المحلية مثلاً.

لن أتحدث عن حال مصانع القطاع العام التى أثقلتها الهموم المتراكمة.. وانسحبت من السوق لتغطى أقل من ١٠٪ من احتياجات السوق بعد أن كانت تغطى أكثر من ٨٠٪ من ذلك الاحتياج.

الأمر لا يحتاج إلى اختراع العجلة.. ولا يستلزم الكثير من التفكير أو التخطيط.. فالحل سهل ومتاح، ولكن أحداً لم يفكر فى البدء فى تنفيذه حتى الآن لسبب لا أعرفه.

الحل فى إعادة تقييم الأدوية المسجّلة بالوزارة من جديد.. والتأكد من إنتاجها بشكل منتظم.. وإتاحة مهلة للشركات التى لا تمتلك مصانع للبدء فى بناء مصانعها الخاصة أو إغلاقها.

الحل فى منح قبلة الحياة لمصانع القطاع العام التى نادينا بها مراراً عن طريق إعادة هيكلتها بالشراكة مع القطاع الخاص أو بفكرة بعيداً عن قيود البيروقراطية.. على أن يتم تقييمها بنظام الإنتاج المستهدَف كما هو الحال فى معظم شركات الأدوية فى العالم.

الحل فى تشجيع التصدير خاصة إلى أفريقيا التى كانت تعتمد فى الماضى على الدواء المصرى بصورة أساسية قبل أن ينسحب لصالح الأدوية القادمة من دول أخرى.. وقبل أن ينحسر التصدير بالكامل وتفقد مصر مصدراً حيوياً للعملة الصعبة.

الاقتراحات السابقة وغيرها كثير ليست غائبة بكل تأكيد عن القائمين على ملف الدواء فى هذا الوطن.. ولكن أحداً لا يتحرك فيه للأمام حتى الآن لسبب لا أعرفه شخصياً.. ولا يعرفه أحد فى الأغلب.

يبقى أن أشير إلى أن دراسة كاملة مستفيضة بشأن مشكلات التصنيع الدوائى والتصدير قد تمت دراستها من قِبل لجنة الصحة بمجلس الشيوخ المصرى خلال العام الماضى.. ولكنها لم تدخل حيّز التنفيذ حتى الآن.

فهل آن الأوان لننظر إليه نظرة موضوعية؟ هل سيهتم أحد بأن يطلق شرارة البداية لتحقيق استقرار استراتيجى فى أحد أهم الملفات الشائكة فى القطاع الطبى؟

كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات.. أتمنى ألا ننتظرها طويلاً.