فى 14 يناير 2011 استقل رئيس عربى طائرته الخاصة بصحبة زوجته وأسرته، تاركاً بلاده وشعبه، لم يكن لديه الجرأة الكافية على المواجهة، استغاث بدول كثيرة طالباً منها حمايته والسماح له ولأسرته بالهبوط فى مطاراتها والبقاء فيها بما هو أشبه باللجوء السياسى، ذهب أولاً إلى فرنسا فرفضت نداءاته وأخيراً حطت طائرته فى جدة فكان الترحيب من الديوان الملكى للمملكة العربية السعودية بمثابة ضوء أخضر لقبول استضافته، لم يفكر الرئيس التونسى زين العابدين بن على وقتها كثيراً فيما وصلت إليه بلاده، لم يكترث للاتهامات التى وُجهت له ولعائلته بالفساد والدمار واستغلال النفوذ، ضرب بكل ذلك عرض الحائط فكانت قدمه على سلم طائرته الرئاسية والقدم الأخرى تلقى أسفلها 23 سنة هى فترة حكمه وكل المواثيق والقوانين والقسم الذى ألقاه على شعبه بأن يحترم القانون ويتولى مصلحة الشعب بأمانة وفقاً لدستورهم، تخلصت تونس من حكم فاسد فخرج من قال الجملة الشهيرة: «الإجابة تونس».
الأمر يختلف اليوم، فالإجابة يجب أن تكون مصر، فرئيسها الأسبق محمد حسنى مبارك أعطى لكل الملوك والرؤساء العرب بل وغير العرب أيضاً درساً على مدار 4 سنوات فى كيفية احترام الدستور والقانون واحترام بلد أعطاه طوال سنوات عمره دروساً كثيرة، أكثرها صعوبة هو فترة بقائه خلف قضبان سجن لسنوات، بعد أن اعتلى أرفع مناصب الدولة بكونه رئيساً لمصر، ليتنازل عن كل ذلك بإرادته ويتحمل نتيجة قراره بالتخلى عن منصب رئيس الجمهورية منذ 18 فبراير 2011 إلى يومنا هذا، كانت لديه فرصة سانحة على مدار عدة أشهر بالهرب خارج البلاد ولم يفعل، كانت لديه فرصة أخرى بأن يرفض الوقوف أمام منصة القضاء أو محاكمته ولم يفعل، أو أن يقدم تنازلات عديدة تنجيه وولديه من عناء الحبس طوال تلك المدة، ولم يقدم على تلك الخطوة أو غيرها.
ليس دفاعاً عن «مبارك» أو نظامه، ولكن من منا لم يضع نفسه فى نفس مكان «مبارك» اليوم.. رجل كهل بلغ من العمر أرذله، عاش وأسرته 30 عاماً بين القصور والحياة الرغدة، انتهى به المطاف إلى البقاء فى غرفة سجن، مهما اتسع حجمها لن تعيد إليه مجداً أو سلطاناً، لماذا كبَّد نفسه وابنيه عناء المحاكمة والذل وانتظار أحكام بدأت بالسجن والإدانات، وقفوا لها احتراماً وتقديراً ولم يتلفظوا بحرف واحد اعتراضاً عليها، ولم يحتاجوا إلى الوقوف خلف أقفاص زجاجية خوفاً من تصرفاتهم غير المسئولة -كغيرهم ممن حوكموا بعدهم- وانتهت اليوم ببراءات لطالما وثقوا أنها من حقهم، فمن تربَّى على احترام القانون لن يخاف من عدالة من يقومون على تطبيقه.
طُويت الصفحة، وأسدل الستار، اتركوا «قضية القرن» بما فيها، فهى لا تخرج عن كونها قضية تم الحكم فيها، اتركوا «مبارك» وأسرته لعلنا نعطى لغيرنا أول درس لدولة نامية عبَّرت للحظة عن تحضّرها باحترام رأى القضاء، اتركوا المجال لعلنا نرى «مبارك» وأسرته، كغيره من رؤساء الدول الغربية، تنتهى فترة حكمه فيعود مواطناً عادياً يمكننا أن نراه فى المناسبات دون خوف أو ترقب، ولا تنسوا أن هناك رئيساً أمريكياً خرج من حكمه بفضيحة عالمية مدوية، ومع ذلك قضى بقية عمره كأنه مواطن عادى، لم يخَف وقتها ريتشارد نيكسون من أن تكون فضيحة «ووتر جيت» التى أطاحت بحكمه سبباً فى أن يتلقفه الإعلام بأقلام لاذعة رغم أنه حصل على عفو رئاسى شمل جميع الجرائم التى يحاكم عليها القانون الفيدرالى، لم يقف خلف قضبان سجن ينتظر كلمة البراءة كما فعل الرئيس الأسبق، ارفعوا أقلامكم عن «مبارك» وأسرته، مصر الآن تحتاج إلى أقلام تبنى من جديد لا أقلام أشبه بـ«الباباراتزى».