حوار الجمعية العمومية لشعب مصر!
مباشرة نطرح السؤال الذى نعتبره جوهرياً: هل الدعوة لحوار وطنى انعكاس لأزمة نعانيها كما يقول إعلام الشر؟! أم أن الحوار، عملياً وفعلياً، بدأ فى مصر قبل فترة بخطوات محسوبة تقدر الظرف المصرى العام وتخطط لما يمكن أن يتناسب معه ومع الشعب المصرى؟! الإجابة المباشرة والفورية تكذب تماماً إعلام الشر.. ففى سبتمبر من العام الفائت وصف الرئيس السيسى الاستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان التى قدمها لشعبنا بأنها «نابعة من فلسفة مصرية ذاتية تؤمن بأهمية تحقيق التكامل فى عملية الارتقاء بالمجتمع»، وأنه «لا يمكن أن تكتمل دون استراتيجية وطنية واضحة لحقوق الإنسان تعنى بالتحديات والتعاطى معها مثلما تراعى مبادئ وقيم المجتمع المصرى»، وأضاف: «فقد اهتمت -يقصد الاستراتيجية- بمختلف محاور حقوق الإنسان من منظور متكامل ومفهوم شامل لتلك الحقوق».
ثم تم إعلان عام ٢٠٢٢ عاماً للمجتمع المدنى فى مصر.. والمجتمع المدنى فى مصر لا يعنى على الإطلاق الجمعيات والمنظمات والهيئات الحقوقية إنما كلها مع الأحزاب السياسية والنقابات ومختلف الاتحادات والروابط والجمعيات وجميع الشخصيات الاعتبارية ذات الصلة ومنها المجالس العليا وأندية هيئات التدريس وكذلك الشخصيات الطبيعية العامة المؤثرة فى مجتمعنا!
كل هؤلاء مدعوون الآن لهذا الحوار الوطنى الذى دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى ليس لأزمة تعانيها مصر إنما لتحديات تواجهها كأغلب دول العالم، ولنا فوق دول العالم درجة ومبرر، حيث شرعت مصر قبل سنوات فى بناء دولة عصرية حديثة وانطلقت تبنى البنية التحتية لهذه الدولة فى كل اتجاه.. من عاصمة جديدة منضبطة تليق بمصر ومكانتها.. تخفف العبء عن العاصمة التاريخية.. إلى إعادة انتشار شعبنا على أرضنا فى كل اتجاه من رفح الجديدة إلى بئر العبد الجديدة إلى بورسعيد الجديدة (سلام) إلى المنصورة الجديدة والعلمين الجديدة، وصولاً إلى جبل الجلالة وناصر بأسيوط وغرب قنا ونجع حمادى الجديدة وتوشكى الجديدة، إلى حدائق أكتوبر وسفنكس والفشن وملوى الجديدة!! ثم ما بين كل ذلك من طرق أنشئت على معايير ومقاييس عالمية تتسع للكم الهائل من السيارات فى مصر الذى حصل على تراخيص السنوات السابقة بغير ضوابط كبيرة وتستوعب أى زيادة سكانية مع أى توسع فى الاستثمار والتنمية وترشد الوقت والجهد والطاقة! وبين الطرق والمدن توجد المزارع والمصانع، وهناك على هامش كل ذلك جيش حديث، واكتشافات فى الغاز ومحطات للطاقة وخدمات طبية أرقى، وتجاوب مع مطالب مهنية نوعية مزمنة، ودور متنامٍ عربياً وأفريقياً كان مفقوداً بفعل عوامل عديدة!!
كل ذلك، وهو هائل ومهول، لا معنى له بغير البحث عن حلول لمشاكل ضربت مجتمعنا فى مواطن عديدة.. عندنا شكل النظام السياسى.. وشكله الاقتصادى.. دور محدود للدولة فى النشاط الاقتصادى أم دور أوسع يراعى ظروف مصر وأحوالها وتميزها عن باقى دول العالم.. قانون جديد للأحوال الشخصية يرمم جدار البيت المصرى ويجمع شمله ويحفظ للأسرة المصرية أفضل الحلول لمشاكلها، خصوصاً أن هذا القانون وحده يتصل وبشكل مباشر مع مشكلات خطيرة جداً نعانى منها، أخطرها تفكيك الأسرة ثم الزيادة السكانية الرهيبة التى تتجاوز معدلات دولية عديدة وتضع التنمية بمصر فى مأزق شديد، إذ تبتلع فعلياً -وليس إنشائياً- أى تنمية حقيقية، فضلاً عن ظاهرة أطفال الشوارع التى تؤدى إلى أمراض اجتماعية عديدة أغلبها ينتهى إلى كوارث، وأخيراً التسرب من التعليم وما يسببه من مشكلات!
أمامنا تحديات أخرى تحتاج إلى مناقشة.. من التعليم.. شكله واستهدافاته واتصاله باحتياجات المجتمع.. إلى الرياضة وكيف نصل إلى مجتمع شاب لا يعرف الشيخوخة بالمعنى الاجتماعى وليس بالمعنى الفردى أو الإنسانى.. أمامنا الدعم الذى تقدمه الدولة لشرائح وفئات عديدة وكيف يمكن التوصل إلى صيغة تضمن عملياً وصوله لمستحقيه بعيداً عن الجدل الإنشائى الدائم حول ذلك.. هناك العلاقة بين الملاك والمستأجرين، وهل نحن فى حاجة لقانون جديد أم تعديلات على القوانين القديمة أم لا حاجة لفتح هذا الملف من الأساس؟
وهكذا تسير بنا الأفكار إلى عديد الاقتراحات التى تحتاج إلى المناقشة التى تتحول إلى اقتراحات والتى تتحول بدورها إلى توصيات، التى تتحول أيضاً فى الأخير إلى قوانين وتشريعات وقرارات وربما إلى تعديلات دستورية! ولمَ لا ونحن نؤسس معاً -الجمعية العمومية لشعب مصر- لعقد اجتماعى جديد؟!
باختصار: نقف الآن أمام دعوة متحضرة جاءت وهى على موعد مع القدر.. لتضع الجميع أمام مسئولياتهم.. تاريخياً وسياسياً وأخلاقياً.. ليسقط من ذلك من يتردد فى قبول الدعوة وكل من يحاول أن يشترط لقبول الدعوة وكل من يقبلها دون أن يعمل بشروطها الموضوعية وهى الجاهزية للحوار بالمعلومات والاقتراحات والأفكار والأرقام وليس بالإنشاء والخطب.. ويسقط طبعاً من الحساب كله من يسعى ليحقق مصالح ضيقة من الحوار وكل من يشوه الفكرة ويسىء تقديمها إلى شعبنا!
هذه كانت تصوراتنا للحوار.. ونحسب أن طرحها.. مجرد طرحها.. يعنى استجابة للحوار نفسه.. لذا.. ربما هناك تصورات أخرى للحوار.. خصماً وإضافة للرؤية السابقة.. لكن يبقى الحوار فى ذاته قيمة كبرى ينبغى تقديرها ويتوجب إنجاحها!