حلم لا ينتهى
البدايات كانت صعبة وقاسية غير مُريحة فى ملامحها، كل ما تؤكده أن قرار الرحيل هو الأمل وقرار العودة هو المستحيل، الفكرة الأولى فى البقاء تحاربها الثانية بالرحيل وهكذا توالت أفكارى بمجرد أن شاء القدر وانضممت لكتيبة «الوطن»، لم أستطع فهم ما يدور حولى، البداية كانت فى قسم الحوادث حيث المحاكم والقضايا، لم أستمر طويلاً فى ميدان القضاء والمحاكم أو حتى أقسام الشرطة، المدة لم تتجاوز أربعة أيام تعلمت بعض المعلومات التى لا تبنى صحفياً على الإطلاق، وظهرت على وجهى علامات الامتعاض تارة واليأس تارة أخرى، فمحررو القسم «عتاولة فى المهنة» أمثال «الكتيب» الأستاذ سامى عبدالراضى، وهنا جاءت فى ذهنى عبارة «هتروح فين يا صعلوك بين الملوك».
قررت ترك القسم إلى قطاع الأخبار، لم أفهم ما يدور بالقسم فى البداية، هنا خبر عاجل، هنا تقرير، هنا متابعة لحظية، هنا خبر فائت.. قطعة.. قصة.. وهكذا كلمات يتلقاها ذهنى وكأنه طفل يحبو حتى فى اللغة العربية لا يفهم معناها ولا يدرك قيمتها أو أصول كتابتها، لذلك سيأتى يوم وأغادر.. هكذا كان تفكيرى.
جالساً على مكتب -مش مخصص لى- فى صالة الأخبار، دخل علينا الأستاذ محمد البرغوثى، مدير التحرير سابقاً، ونظر إلينا -كنت واثنتان معى- ووجّه حديثه لرئيس القسم الأستاذ وائل سعد، نائب مدير التحرير حالياً: «يا وائل فيه وجوه جديدة حلوة أهى شد حيلك معاهم»، وكأنه الصوت الذى أفاقنى من قرارى المتسرع وهو «الرحيل».
نبحث عن قصص خدمية.. تقارير تفيد القارئ أياً كانت سنون حياته.. معلومات جديدة تحقق عائداً معنوياً وهو أن تكون حديث القارئ مع جيرانه وأصدقائه حتى مع زوجته «شوف الوطن كاتبة إيه النهارده»، هكذا كانت طبيعة العمل، فرحلة البحث شاقة ورحلة التنفيذ أيضاً لكن هى مهنة البحث عن المتاعب والله المستعان.
الكتابة فى بداياتى كانت «على ما تفرج»، يوماً بعد يوم إلى أن شاء الله بتحسن مستوى الكتابة من ناحية وكيفية إنتاج القصص من ناحية و«نزل اسمى فى الورقى بعد حوالى سبعة أيام من دخولى الوطن»، فأصبحت الحلم الذى لا ينتهى.
تُعلم محرريها كل يوم لا تكل ولا تمل، فهى المؤسسة التى لا تعرف طريقاً للراحة، تبحث عن طريق الاجتهاد وتركض فيه هى وكتيبتها دون أى معاناة، لا تكتفى بالمنافسة المحلية أو حتى المنافسة مع نظيراتها من المؤسسات الأخرى بل وصل بها الحال لتصبح الأولى على الشرق الأوسط فى التفاعل.
لم أتخيل يوماً أن أكتب تقريراً يشيد به أساتذتى بل الأمر امتد إلى صفحة كاملة تحمل اسمى وصفحتين أيضاً أناقش موضوعات حيوية باتت هى الشغل الشاغل لى وللقارئ الذى هو يكتبها معى، لأن شعار «الوطن» هو «صحيفة يكتبها القارئ» إلى أن أتيحت لى كتابة أرقى الفنون الصحفية وهو هذا المقال.
التعليم فى «الوطن» لم يغفل العنصر الدخيل على الحياة وهو التكنولوجيا، فعلى أساس ذلك «عُلّمت ودُربت ومُكنت من أساسيات التحرير الإلكترونى والتصوير وغيرها من الفنون التى تؤهلك لأن تصبح صحفياً يفخر بمَن علمه أولاً ثم نفسه ثانياً».
وقوفى أمام الكاميرا كان أمراً شبه مستحيل، فلا تروق لى منذ أيام الجامعة، لأن كل تفكيرى كان منصباً على كتابة قصة بعيداً عن فنها الصحفى، سواء تقرير أو تحقيق أو حتى ملف ومعايشة، لكن حلم «الوطن» الذى لا ينتهى يجبرك على تعلم كل ما هو جديد، فجاءت البداية صعبة «وكلها أخطاء» لكنها تغفر وتشجع وتحفز بجانب لومها لك فى حالة الخطأ، فاستمر الوقوف أمام الكاميرا يوماً وراء يوم إلى أن أصبح من أمتع اللحظات بل هو والكتابة سواء فى الشغف والحلم.
«الوطن» حلم لا ينتهى، فمرور 10 سنوات على الانطلاقة هو بالنسبة لى رصيد يكفى ليمنح عامليها درساً فى المهنة، حيث هى انفردت وتميزت وتصدت خلال هذه السنوات، وهكذا حلمنا لم ينته فى أن ننفرد ونتميز ونتصدى دائماً والله المستعان.