ثقافة الاجترار

الاجترار ببساطة يعنى إعادة المضغ، حين يعود الطعام من معدة الكائن الحى إلى الفم بعد مضغه، ليخضع لعملية مضغ جديدة.تصف لك عملية الاجترار ملمحاً أساسياً من ملامح ثقافة الأزمة أو الثقافة المأزومة. الاجترار فى هذه الحالة يعنى إعادة طرح نفس الأسئلة والموضوعات التى سبق بحثها عدة مرات عبر فترات زمنية مختلفة، لتعالج بنفس الأسلوب وذات الطريقة التى سبق أن عولجت بها، دون الوصول إلى نتائج محسوسة تؤدى إلى تغيير فى الواقع.

دعنى أضرب لك أمثلة لبعض الموضوعات التى تسكن مربع الاجترار: عندك موضوع الموقف من التراث ومنهجيات التعامل معه، وهو موضوع متداول منذ الإمام محمد عبده وحتى اللحظة. عندك أيضاً موضوع موقف الدين من تنظيم الأسرة وقضية الانفجار السكانى وتأثيراتها العاجلة والآجلة على خطط التنمية ومعدلات النمو فى مستوى معيشة المواطن. عندك موضوع التعليم ومستوى جودته وقدرة مؤسساته على تقديم الخريج الناجح القادر على تلبية احتياجات سوق العمل.. وهلمَّ جرا!.

إذا تأملت أياً من الموضوعات سوف تجد أنها طرحت للمناقشة فى الستينات، ثم السبعينات، ثم الثمانينات، وتواصل حضورها بعد ذلك فى الحقب التالية حتى وصلت إلى اللحظة الراهنة.

ليس عيباً أن نطرح موضوعاً أكثر من مرة استجابة لما يستجد فى الواقع من تحولات وتغيرات، لكن بشرط الوصول لجديد، أو تقديم إجابة حاسمة على سؤال متكرر، لكن أن نطرح نفس الأسئلة وتدور حولها النقاشات التى سبق أن سمعناها فيما سبق فذلك هو الاجترار بعينه.

لم تتقدم المجتمعات الغربية إلا بعد أن حسمت بشكل قاطع جميع الإشكاليات التى واجهت العقل الغربى فى العصور الوسطى، حسمت العلاقة بين الدين والدولة، والعلاقة بين الرجل والمرأة، وحقوق كل طرف منهما وأدواره، العلاقة بين الحاكم والمحكوم وما تستند إليه من معايير، العلاقة بين البشر العاديين وما يحكمها من قيم وقواعد قانونية لا بد أن يحترمها الجميع، مع الالتزام بالتطبيق العادل لها على الجميع.

وترتيباً على ذلك باتت السكة واضحة، وطريق السير فيها معروف، ولم يعد ثمة حاجة إلى طرح أسئلة باتت الإجابة عنها معروفة ومحسومة، فانطلق العقل على طريق النهضة والتنمية، بصورة سلسة.

انعكاس ثقافة الاجترار داخل مجتمعات العالم الثالث تجده واضحاً فى عناوين المؤتمرات العلمية والندوات الثقافية واللقاءات الفكرية التى تسمع عنها بين الحين والآخر، فلو قارنت هذه العناوين بما يماثلها قبل عقدين أو ثلاثة عقود من الزمان فستجدها هى هى.. وكأنه لا جديد تحت الشمس. فى المقابل يختلف الأمر جملة وتفصيلاً فى العديد من مجالات الحياة والأنشطة العلمية والمعرفية والفكرية داخل مجتمعات العالم المتقدم. فالعنوان القديم لا يطرح إلا إذا جد جديد حول الموضوع يتوجب معالجته ومناقشته، وفى أغلب الأحوال تجد طرحاً لأسئلة جديدة تشتبك مع التحولات والتغيرات والمستجدات التى تطرأ على أرض الواقع.

فارق كبير بين ثقافة تعتمد على نقل الخطوات باستمرار إلى الأمام.. وثقافة تفضل السير داخل الحذاء.