رفض العمال بيع شركة «بسكو مصر»، واتهموا الشركة التى سوف تشتريها مسبقاً بأنها ستعمل على وضع مواد رخيصة ومسرطنة فى المنتجات، وأصدروا بياناً أثناء اعتصامهم أمام الشركة، الذى نال اهتماماً بالغاً فى كل الفضائيات، أكدوا فيه رفضهم لإتمام الصفقة التى تنتقل فيها ملكية غالبية أسهم الشركة لشركتين أجنبيتين؛ الأولى أمريكية وتدعى «كلوجز»، والثانية إماراتية وتدعى «أبراج»، وكلتاهما من الشركات ذات السمعة العالمية.
وطالب العمال الحكومة بالتدخل للحفاظ على حقوقهم، وطالبوا بنسبة للعمال من عملية البيع، وطالبوا بزيادة بدل الوجبة المنصرفة لهم، وطالبوا بتعديل أجورهم وزيادة حوافزهم الشهرية، وزيادة الأرباح التى تصرف لهم، وتعديل مكافأة نهاية الخدمة للمحالين للمعاش لتصبح 50 شهراً عن آخر أجر، وتثبيت العمالة التى يمضى على عملها بالشركة 3 سنوات، وتعديل مواعيد العمل لتصبح 7 ساعات فقط.
ومع الاهتمام الإعلامى المتزايد بالاعتصام، بدأت المطالب تتزايد أيضاً، فطالبوا الرئيس السيسى بالتدخل لوقف البيع، وقامت وزيرة القوى العاملة بزيارتهم فى مقر الشركة، الذى أصبح مقراً لاعتصام العمال، ولكنهم أكدوا أن اعتصامهم سوف يستمر، وأنهم لن يسمحوا ببيع الشركة.
كل هذا الكلام كان يبدو منطقياً لى إذا كانت الشركة لا تزال شركة قطاع عام، ولكن هذه الشركة، التى كانت تخسر وقتما كانت شركة قطاع عام، بيعت منذ سنوات، وأصبح القطاع الخاص يمتلك منها نحو 77% مقابل 23% لا تزال مملوكة للقطاع العام ووزارة الأوقاف. وخلال الفترة التى بيعت فيها الشركة وتحولت إلى قطاع خاص، حققت أرباحاً كبيرة وأصبحت واحدة من أهم الشركات فى مجالها فى العالم. وأى مالك فى العالم يحق له بيع ملكيته فى أى وقت يشاء، وهو حق دستورى أيضاً فى جمهورية مصر العربية، وبالطبع فإن بيع شركة تحقق أرباحاً يختلف كثيراً عن بيع شركة خاسرة، ومن المؤكد أن مالكى الشركة الذين طوروا العمل بها، وحققوا أرباحاً وقاموا بتوسيع قاعدة التصدير لتشمل دولاً فى أوروبا وأمريكا وأستراليا و15 دولة أفريقية وكل الدول العربية، يعرفون أنهم سيحققون أرباحاً كبيرة، وهناك مستثمر يدخل فى هذه اللعبة بشكل كبير، فيشترى شركة خاسرة، ويقوم بتطوير إدارتها، فتحقق أرباحاً ويقوم ببيعها ويحقق هو منها أرباحاً أكبر.
والشركتان اللتان تعتزمان الشراء تفهمان جيداً الموقف المالى للشركة، وترغبان فى شراء شركة رابحة. وإحدى الشركتين تريد أن تستمر فى نفس نشاط الشركة، أما الأخرى فربما تغير نشاطها.. وبأى شكل من الأشكال أصبحت الدولة تمتلك فقط 23% من الأسهم، وبالتالى لا يحق لها الاعتراض على بيع النسبة الأكبر وما يحق لها فقط هو إبداء الرأى.
ولدينا هنا مشكلتان؛ الأولى أن مناخ الاستثمار فى مصر بهذه الواقعة أصبح مهدداً بشكل كبير، وعلينا أن نحدد موقفنا بصراحة من هذه القضية قبل موعد انعقاد المؤتمر الاقتصادى فى مارس المقبل، وهو المؤتمر الذى أظن أنه ينعقد بهدف جذب الاستثمارات لمصر، وأى مستثمر يريد أن يدفع أمواله فى مكان مستقر، يعرف فيه أن القوانين واضحة وميسرة ولا تتغير كل فترة باختلاف التوجهات، وأن العمال، مع كامل الاحترام لحقوقهم، يجب ألا يكونوا عقبة أمام البيع أو الشراء. فالاستثمار فى العالم له آليات تختلف كثيراً عن الصورة التى نصدرها بأنفسنا عن أنفسنا وعبر إعلامنا العاطفى، وأصبحت الرسالة الإعلامية التى يحتويها رسالة تخويف لأى مستثمر أجنبى وليست رسالة تشجيع.
أما المشكلة الثانية فهى حقوق العمال، وبعض المطالب التى صاغوها فى بيانهم مطالب مشروعة، وبعضها للأسف تزيد وغلو واضحان، وهنا ينبغى على الدولة، التى تخطط لعقد مؤتمر لجذب الاستثمارات خلال شهور قليلة، أن تحدد موقفها بصراحة، وتصدر ضمانات محددة يعرفها العامل والمستثمر على السواء فيما يتعلق بحقوق العمال فى الإضراب والاعتصام، وفى الأجر، وفى حالات الاستغناء عن العمال، وهى أمور تحتاج إلى تشريعات عاجلة ومحددة حتى لا يتحول فيها العمال إلى عقبة أمام الاستثمار.
هذا الوضع الذى حدث فى «بسكو مصر» ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير، فلدينا شركات قطاع عام كثيرة خاسرة، ويصر العمال على تقاضى أرباح منها، والحكومة تستجيب. والأمثلة كثيرة.. وهذا وضع شاذ، وعلينا أن نواجه أنفسنا بصراحة ونتخذ من القرار ما يمكننا من إصلاحه، وبسرعة. فإذا استمرت هذه الحالة المائعة، وتكررت الاعتصامات والإضرابات، وهناك من يسعى لذلك، فلن يجرؤ أحد على الاستثمار فى مصر، ونحن نخطط لمؤتمر لجذب الاستثمارات الأجنبية.