رهائن سيدنى.. بضاعتكم رُدت إليكم

محمد الشيخ

محمد الشيخ

كاتب صحفي

ما أشبه اليوم بالبارحة، مشهد يمكن توصيفه بشكل بسيط، رجل يسكن فى مكان مشهور، عاش فيه لسنوات، وفجأة وبدون مقدمات قرر بين ليلة وضحاها أن يترك جيرانه وشارعه وكل المنطقة، بحجة أن المكان سيئ السمعة وهو ينأى بنفسه عن السكن فيه مع أسرته، تدور الأيام فيفاجأ جيران الرجل مدعى الشرف والنزاهة صاحب الادعاء الكاذب بصوره تتصدر صفحات الجرائد وهو متلبس بقضية مخلة بالشرف، ها هى سيدنى المدينة الأسترالية المنكوبة الآن، قبل أيام أغلقت أستراليا سفارتها بمصر، شأنها شأن إنجلترا وكندا، تراءى لهم أن الإرهاب فى الدول النامية فقط، التى من السهل أن يسيئوا لها، أيام وانقلب السحر على الساحر بحادثين إرهابيين كشفا عن خلل فى خطط الدولتين لمكافحة الإرهاب، فبعد أيام من تعرض مبنى البرلمان الكندى لعمل إرهابى، شهدت مدينة سيدنى احتجاز رهائن فى أحد المقاهى الكبرى بها على يد إرهابى مسلح مجهول قرر أن يعلن عن هويته برفع علم داعش. الإرهاب هو الشبح الذى خلقه الغرب ليرهبوا به الشرق تارة، أو مستخدمين إياه مظلة يتحركون أسفلها بحثاً عن غزو لدولة بهدف الاستفادة من بترولها أو زعزعة استقرارها، كلبهم الذى ربوه آن الأوان أن ينهش اليد التى ربته، الابن المدلل بدأ يخرج من عباءة أبيه، ما بين علم تنظيم القاعدة والآن داعش وتنظيم الإخوان، اختلفت الرايات والإرهاب واحد، من أصل واحد، وهدفه أيضاً واحد. ربما يذكرنا ما يحدث الآن بكتاب المؤلف البريطانى مارك كيرتس الأخير «الشئون السرية» والذى أوضح فيه خيوط الارتباطات السرية بين الإنجليز والإخوان المسلمين منذ النصف الأول من القرن الماضى، ومدى قوة العلاقات التى توطدت بينهم بالتمويل والتخطيط لإفشال الثورات فى المنطقة العربية والإسلامية، التى كانت تمثل جبهة الحرب الباردة بين الغرب والشرق، وتحولت اليوم إلى جبهة الحرب على «الإرهاب الأصولى» الذى بات يهدد أمن المنطقة واستقرارها. يقول مارك كيرتس إن شبح الماضى عاود الظهور مجدداً وبات يخيم بظلاله على السياسة البريطانية فى أفغانستان، وخلف التواطؤ البريطانى مع القوى الأصولية، بما فيها المتطرفون الذين وفروا معسكرات تدريبية لقائد الانتحاريين محمد صديق خان الذى نفذ مع زملائه هجمات فى 2005 ضد وسائل النقل فى لندن والتى أودت بحياة 57 شخصاً، وسط اتهامات جديدة وُجهت إلى الحكومة وأجهزة الأمن، حمّلتها المسئولية عن الأعمال الإرهابية التى تنفذها الحركات الأصولية، نتيجة لـ«تواطؤ»، هذه الأجهزة فى وقت سابق مع هذه التنظيمات. يقول «كيرتس» إنه عندما وقعت هجمات لندن فى 7 يوليو 2005، ألقى الكثيرون بمسئولية ذلك على غزو العراق، إلا أن العلاقة بين هذه الهجمات الدامية والسياسة الخارجية البريطانية أعمق من ذلك بكثير، فالتهديد الإرهابى لبريطانيا هو نكسة إلى حد ما ناجمة عن شبكة من العمليات البريطانية السرية مع الجماعات الإسلامية المتشددة ممتدة عبر عقود. وفى حين يمثل الإرهاب أكبر تحد أمنى للمملكة المتحدة، فإن تواطؤ الحكومة البريطانية مع الإسلام الأصولى لا يزال مستمراً. وذكر «كيرتس» أن «التهديدات الإرهابية لبريطانيا هى انعكاس ناتج عن شبكة من العمليات السرية البريطانية بالتعاون مع مجموعات إسلامية مسلحة تعود إلى عقود ماضية». وحذر من أنه «فى الوقت الذى يجرى فيه اعتبار الإرهاب التحدى الأمنى الأكبر بالنسبة للبلد، تواصل الحكومة البريطانية تواطؤها مع التطرف». لقد حذرت مصر من الإرهاب فى الثمانينات ولم يلتفت أحد أننا لسنا مصدراً لتصدير الإرهاب حتى جاءت أحداث 11 سبتمبر 2001، والآن وسط انسحاب الدول الكبرى من الوجود الدبلوماسى فى مصر خرج الرئيس عبدالفتاح السيسى ليؤكد أن الإرهاب سيطول الجميع، فهل تعى أستراليا وإنجلترا أن بضاعتهم رُدت إليهم.