اتكلم براحتك.. الأحلام المشروعة والانتصار على المستحيل

كتب: رنا حمدي

اتكلم براحتك.. الأحلام المشروعة والانتصار على المستحيل

اتكلم براحتك.. الأحلام المشروعة والانتصار على المستحيل

خرجت إلى سوق العمل منذ طفولتى، والتحقت بورشة النجارة التى يمتلكها والدى، لكن نزعتى المبكرة لتحقيق الذات دفعتنى للبحث عن عمل خارج دائرة الأقارب، فتنقلت بين مهن عديدة.. بائع فى محل، ومندوب فى شركة، وموظف توريدات، والمحطة الأهم كانت بعد حصولى على الثانوية العامة، حين شاهدت فتاة فى منطقة «التونسى» بالمنصورة، كانت تشترى خط تليفون محمول، خطفت قلبى من أول نظرة، وقررت بسرعة البرق الارتباط بها، وكان علىّ أن أستعد جيداً لأهم وأصعب معركة فى حياتى.

ذهبت لزيارة أهلها، وطلبتها للزواج، واعتذر والدها عن عدم تلبية طلبى، لم يكن قاسياً فى رده كما توقعت، لكننى لم أكن مستعداً للتخلى عن حلمى أو الاستسلام للأمر الواقع والظروف، فكررت المحاولة، ولكن ذهبت هذه المرة لجد العروس، فأعجبته شخصيتى، واستدعى والد العروس، وجلسنا معاً، وبدأ الكلام يتحول فى اتجاه حسم المعركة لصالحى، ولاحظ والد العروس ميل الجد للموافقة على الزواج.. فقال ما لم أتوقعه: «إيه رأيك أنا موافق نتمم الجواز فى ظرف 6 شهور».

شعرت بأن الجملة أقرب إلى فخ أو شبكة نصبها صياد ماهر، وكان ردى أننى خططت للزواج بعد 4 سنوات، وقتها نظر لى الجد بإعجاب وثقة بأن طالب الثانوية العامة الذى يجلس أمامه يتحدث بثقة القادر على صناعة مستقبله بيده، فوعدنى بأن تكون الفتاة من نصيبى، وأن يمنحنى فرصة 4 سنوات لإنهاء دراستى الجامعية، بعدها يمكننى إتمام إجراءات الزواج.

تقدمت لاختبارات كلية الشرطة، لكن لم اوفق فى اجتيازها، فالتحقت بكلية الحقوق، ورسبت فى أولى سنوات الدراسة، لكننى تجاوزت الأزمة سريعاً، واستطعت توسعة دائرة نشاطى المهنى، وتمكنت وأنا طالب بالفرقة الثالثة فى كلية الحقوق جامعة المنصورة أن أستأجر شقة قانون جديد، وتمكنت من تأثيثها، وأنهيت إجراءات الزواج، وانتقلت للإقامة فى شقة الزوجية بصحبة الفتاة التى أحببتها، قبل أن أنتقل للفرقة الرابعة، والآن أنا أب لطفل عمره 5 سنوات واسمه «سليم».

أعترف بأننى كنت مغامراً فى تفاصيل كثيرة من حياتى، وحالماً بقدر كبير، لكننى كنت مؤمناً بنفسى لأبعد الحدود، ولم أكتف بتحقيق حلم الزواج بمن أحببت، والحصول على شهادة جامعية، ووظيفة فى شركة، بل كان لى طموح سياسى، واخترت أن أبدأ مشوارى من الأعمال الخدمية والتطوعية، وفى ذات العام الذى سعيت فيه للزواج، سعيت أيضاً للانضمام لمشروع نموذج محاكاة مجلس الشعب فى المنصورة بمحافظة الدقهلية، الذى أقيم تحت رعاية وزارة الشباب والرياضة، وقتها لم أجد من يدلنى على طريقة الانضمام لهذه التجربة، فدخلت على صفحة التواصل الخاصة بالمشروع، وظللت ألح فى طلب الانضمام.. إلى أن تحقق لى ما أردت.

أنهيت دراستى الجامعة، وأديت الخدمة العسكرية، وحين وصل بى قطار العمر لمحطة الـ25 سنة، خرجت من نموذج محاكاة مجلس الشعب، بسبب الضوابط المتعلقة بعمر الأعضاء، لكن علاقتى بالعمل التطوعى والخدمى لم تنقطع، فقد تدربت خلال هذه الفترة على أسس ومبادئ العمل الأهلى، وفنون التواصل المجتمعى، وقررت أن أصنع تجربتى الخاصة، وبحثت عن فكرة مختلفة.. ومميزة.

قبل 10 أشهر.. كنت أجلس بين ركاب ميكروباص، وفى لحظة عبور كوبرى «طلخا».. توقف السائق، وهبط بعض الركاب مسرعين.. وقتها انتبهت لكارثة على بعد خطوات منى، فتاة فى العقد الثالث.. ألقت بنفسها من فوق الكوبرى، لكن واحداً من ركاب الميكروباص الذى كنت أجلس فيه تمكن من إنقاذها، والتف المارة حول جسد الفتاة الناجية، واستمعوا لحكايتها، «كان عندها مشاكل كتير ومش لاقية حد يسمعها فقررت التخلُّص من حياتها»، وقتها توصلت إلى فكرة مبادرة «حياتك غالية علينا» لمكافحة ظاهرة الانتحار، من خلال فرق للتوعية وتقديم الدعم النفسى.

اختبرت الفكرة عبر مواقع التواصل، أنشأت صفحة تحمل اسم المبادرة، وسعيت للترويج لها من خلال دوائر معارفى، وبدأت استقبال بعض الاستفسارات من أشخاص كانوا فى بداية الأمر مرتابين ومتشككين فى نوايا صاحب المبادرة، لكن بمرور الوقت زالت الهواجس والحواجز، وطلب بعض المستفيدين التحول لداعمين، لكننى كنت حريصاً أن أكون الشخص الوحيد المسئول عن التواصل المباشر مع الحالات التى تحتاج الدعم، وأحيل بعضها لزوجتى حين تطلب الحالة التحدث إلى سيدة.

رفضت التوسع فى نشاطى، لحين التوصل لمظلَّة رسمية تضمن وضع المبادرة فى إطار يحمى من يتلقون الدعم من احتمالات التجاوز أو الاستغلال، وهو ما دفعنى للانضمام خلال هذه الأيام لنموذج محاكاة مجلس الشيوخ فى محافظتى، وأتمنى أن تتمكن المبادرة تحت مظلته من تحقيق أهدافها.

                                                    محمد حمدى

                                  مؤسس مبادرة (حياتك غالية علينا)

الرد

يا صديقى.. كم هى مهجة تلك الحياة التى تعيشها، وأجمل ما فيها أنك امتلكت القدرة والجرأة لصناعة كل تفاصيلها، خرجت لسوق العمل فى وقت مبكر، لكن رحلة البحث عن الرزق لم تكن ثقيلة على قلبك.. بالقدر الذى يحرمك من نعمة الحب، فكان القدر كريماً فى عطائه لك.. ومنحك فتاة تحفزك للتحرك فى الاتجاه الصحيح.

كنت جريئاً فى طرق باب والد الفتاة التى أحببتها، جرأة تصل إلى حد الجنون، وأكثر ما أعجبنى أنك اعتبرت رفضه طبيعياً، وهو ما يعنى أنك شخص متصالح مع الآخرين.. ومع نفسك، ويبدو أن هذا هو سر انحياز جد الفتاة لك، وهو ما أنقذك من الخضوع للتقييم التقليدى على طريقة مكتب تنسيق العرسان.

أشعر أنك ممتن للظروف التى ألقت بك فى سوق العمل مبكراً، كان من الممكن أن تستغرق سنوات عمرك فى الحديث عن «لو كنت اتولدت غنى»، لكن الله عوضك عن المال بتجارب أكسبتك القوة والقدرة على مواجهة الحياة، وتنوع المهن التى عملت بها أكسبك مهارة التأقلم وتطويع الظروف لصالحك، تعلمت كيف تصنع ما يحتاجه الناس فى ورشة نجارة، وتعلمت كيف تكسب الزبون فى مجال التجارة، وتعلمت كيف تلبى رغبات الموردين بأفضل وأسرع طريقة، والأهم أنها عززت إيمانك بنفسك وطموحك وقدرتك على صنع المستقبل الذى تريده.

يا صديقى.. تقول إنك ممتن لمؤسسات الدولة التى وضعتك على أول طريق تحقيق طموحك السياسى، ومنحتك فرصة التدرب على العمل الخدمى والتطوعى، وأقول لك إننى واثق بأن الدولة ستوفر لك ولأمثالك المظلة التى تحمى طموحاتكم ومبادراتكم.. وتحميها من أى استغلال أو انحراف عن نبل غاياتها.

                                                                                سيد المليجى

----------------------------------------------------- 

بالتأكيد يصلنا صوتك حني تتكلم أو تشكو أو تعترض.. ربما تحتاج أن تأخذ القرار.. أن تتكلم بالفعل.. تبوح وتفضفض، وتفتح قلبك لتزيح عنه ما يجثم عليه فيتعبك، ويحرمك من االستمتاع باللحظات الحلوة.. ضع حملك الذى أنقض ظهرك.. ً فى الفضاء الواسع.. دورنا هو أن نأخذ بيدك لتتجاوز املطبات، وتعبر بر األمان، واترك لروحك العنان حتى تحلق خفيفةً أن ّر دائماوحتى لو تعثرت وسقطت، فواجبنا أن نساعدك على النهوض نافضني عن ثوبك كل ما علق به من األتربة.. وتذكالعمر قصير، والسنوات كالثيران الهائجة.. تنطلق بال توقف، فعشها كما ينبغى، وكما تريد أنت، ال كما يريد لك اآلخرون.أرسلوا إلينا بآرائكم ومشاكلكم على البريد الإلكترونى: com.elwatannews@elwatan.bareed أو على عنوان جريدة »الوطن«: 16 ش مصدق - الدقى


مواضيع متعلقة