اتكلم براحتك .. آلام الوحدة وجدعنة ولاد البلد
اتكلم براحتك .. آلام الوحدة وجدعنة ولاد البلد
كنت أقف فى مرسمى، محاطاً باللوحات وفرشات الألوان، تحاصرنى الأفكار.. وتتراقص أمامى بعض التماثيل.. بحركات سريعة ومباغتة، لم أعد أعرف إن كان المشهد الذى أراه أمامى من أثر البهجة أو آلام الوحدة، لكن المؤكد أن حجم الأوكسجين الذى يصل إلى رئتىَّ لم يعد يمنحنى القدرة على البقاء واقفاً، شعرت بدوار بسيط، لكنه تمكّن من تخدير جسدى بسرعة البرق.
كنت بحاجة لثوانٍ معدودة.. لألقى بجسدى المخدر على مقعد لا يفصلنى عنه سوى بضع خطوات، ولكن حرمنى القدر من إتمام فكرتى، ليمنحنى فرصة سريعة لسقوط هادئ على الأرض.. مصحوب بصوت طرقعة خفيفة وألم حاد فى الذراع.
فى السابق كان الرسم يمنحنى القوة.. والقدرة على تغييب الإحساس بالألم والوحدة، لكننى الآن مُكوَّم على الأرض، لا تستطيع أى من تماثيلى ولوحاتى أن ينقذنى، ولا يستطيع عقلى استيعاب المشاعر المتضاربة التى تنتابنى فى تلك اللحظة.
بحكمة سنوات عمرى الكثيرة أدركت أن سقوطى لن يكون مجرد حالة عابرة، فتنوع مناطق الألم فى ذراعى الأيمن يوحى بكسور مضاعفة، وربما يعقبها فقدان للوعى، لذا قررت أن أصرخ.. ليس بسبب الألم المبرح.. بل من أجل النجاة، لعل أحداً ينقذنى.
الآن أشعر بالشجاعة.. لأننى قادر على الصراخ، أُمنِّى نفسى بأن صوتى مسموع، أنتظر سرباً ملائكياً قادماً لإنقاذى، وأيادى بيضاء تنتشلنى فى رفق من أثر السقوط، لا بد أن يكون سرباً ملائكياً حتى لا يعييهم بابى المغلق.. ومرسمى الذى يبدو مهجوراً.
يمكننى أن أحسب الوقت الذى مضى.. بفعل تراجع قوة وحدّة صوتى.. وقرب اختفائه، يمكننى أن أعد الثوانى فى سرى، لأننى لم أعد أقوى على الصراخ، مضى ما يقارب الساعة.. كانت كافية لتتبدل ملامح المرسم فى عينى، الألوان أصبحت باهتة، اللوحات والتماثيل توقفت تماماً عن الحركة، السكون يغلف الحوائط، وللحظة شعرت أن المكان يضيق بى، ولديه رغبة فى ابتلاعى، لكن لماذا لم تأتِ ملائكة الإنقاذ؟ ولماذا لم أعد أشعر بآلام فى ذراعى؟ ولماذا لم أعد أسمع صوت صراخى؟
صوتٌ ما يتسرب من بعيد، لا أعرف إن كان حقيقياً أم مجرد خيالات ساقها لى عقلى الباطن، لكن المؤكد أنه ليس صوتى، وإلا لماذا تزداد قوته بمرور الوقت، وكأنه قادم ناحيتى، صوت يشبه قرع الدفوف أو صوت الطبول المرتجفة، الآن يصاحب هذا الصوت.. صوت آخر، صوت امرأة ممتلئة بمشاعر الخوف، يبدو أنها مثلى.. تبحث عمن ينقذها، كانت تصرخ بهستيريا «يا عم رمضان.. يا عم إمام»، تُرى.. لو سمعت مثل هذه الاستغاثة قبل سقوطى هل كنت سأشارك فى إنقاذها؟
حاولت أن أستجمع ما تبقى لدىَّ من قوة لأحتفظ بعينىَّ مفتوحتين، الصور مشوشة، لكننى أحاول تفسير مضمونها كنوع من تمارين مقاومة فقدان الوعى، يبدو أن باب المرسم دبت فيه الحياة، وقفز من مكانه.. لكنه اصطدم بالحائط، فتكشّف من خلفه 3 وجوه، أحدها لسيدة.. رغم أننى لم أرَ شعرها، وعلى يمينها ويسارها ملكان يغطيان رأسيهما بقماش أبيض.
اقترب منى وجه السيدة، واقتربت معه كلماتها الحنونة «أنت بخير.. أنا جارتك»، وقبل أن أجيب، تطوع صاحبا الوجهين الآخرين بإحاطة جسدى برعايتهما، وبعد دقائق.. حملنى أحدهما بين ذراعيه بخفة تشير إلى أن وزنى تلاشى بفعل المجهود الذى بذلته فى الصراخ، وقتها شعرت براحة وسعادة افتقدتهما منذ مدة، رغم أن الألم عاد ليهاجم ذراعى، لكن الأمر لم يشغلنى.
لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا محمول بين ذراعىْ هذا الرجل، لكننى كنت متشبثاً بهذا المشهد، وكأننى طفل تائه عثر لتوه على والده، ولم يخرجنى من دائرة هذه المشاعر.. سوى يد المرأة الحانية، مَن قالت إنها جارتى.. وكانت تسير بمحاذاة الرجل، لتؤمّن له طريق خطواته ناحية سيارة الإسعاف، وحين استقر بى الحال على سرير المسعفين، جلست هذه المرأة فى مواجهتى داخل العربة، وكانت نظراتها تدفعنى للبحث فى ذاكرتى عن سر هذه اللهفة والخوف اللذين تشملنى بهما.
لا أعرف كم مضى من الوقت داخل المستشفى، ولا أتذكر كيف عدت إلى المرسم، فقط أتذكر أن من دفع تكاليف هذه الرحلة هى تلك المرأة المحجبة التى لا تعرفنى، وعرفت منها أنها ليست مشغولة بالفنون أصلاً، فكل ما كان يشغلها تلبية نداء استغاثتى، وحين سألتها عن المبلغ الذى دفعته فى المستشفى لأرده لها.. ارتسمت على وجهها نظرة من يمتلك الدنيا وما فيها.. وقالت «مايصحش يا أستاذ، إحنا جيران»، ونفس النظرة.. ونفس الكلمات سمعتها من «عم رمضان» و«عم إمام» صاحبىْ الوجهين الملائكيين اللذين شاركا فى مهمة إنقاذى.. وهما عاملان فى المسجد المواجه للمرسم.
يا الله.. شكراً على هذا السقوط الذى أعاد لبصرى وعقلى مشاهد جميلة، فقدت القدرة على رؤيتها خلال عزلتى الاختيارية، كنت أظن أننى أصنع الجمال داخل مرسمى، لكنك علّمتنى أن الجمال الحقيقى فى مملكتك.. وليس فى مملكتى.
زوسر مرزوق
فنان تشكيلى
بالتأكيد يصلنا صوتك حين تتكلم أو تشكو أو تعترض.. ربما تحتاج أن تأخذ القرار.. أن تتكلم بالفعل.. تبوح وتفضفض، وتفتح قلبك لتزيح عنه ما يجثم عليه فيتعبك، ويحرمك من الاستمتاع باللحظات الحلوة.. ضع حملك الذى أنقض ظهرك.. ً فى الفضاء الواسع.. دورنا هو أن نأخذ بيدك لتتجاوز المطبات، وتعبر بر الأمان، واترك لروحك العنان حتى تحلق خفيفةً أن ّر دائماوحتى لو تعثرت وسقطت، فواجبنا أن نساعدك على النهوض نافضين عن ثوبك كل ما علق به من الأتربة.. وتذكالعمر قصير، والسنوات كالثيران الهائجة.. تنطلق بلا توقف، فعشها كما ينبغى، وكما تريد أنت، لا كما يريد لك الآخرون.
----------------------------------------------------------------
الرد
استقبلت هذه الرسالة من صديق، قال لى إنه مثل بطل القصة، يعتبر هذا الحادث حكاية تستحق أن تروى، وحين سألته عن مدى معرفته به، كان رده «مكتوب على صفحته أنه فنان تشكيلى».
يا صديقى ربما شغلتك قصة سقوط البطل، فلم تنتبه لسيرته المضيئة، فهو فنان استضافته هيئة الأمم المتحدة لينفذ لها «تمثال الأمومة»، الذى يتصدر مدخل حديقتها، وهو صاحب تمثال «دنشواى» بمحافظة المنوفية، وتمثالى نجيب محفوظ وثروت أباظة بمقر اتحاد كتاب مصر، كما أنه صاحب رصيد كبير من الجوائز المحلية والدولية.
زوسر مرزوق سيرة طويلة لا يمكن اختصارها فى كونه بطلاً لهذا الحادث، لأنه كان بطلاً منذ أن حصل على بكالوريوس الفنون التطبيقية عام 1964 بتقدير عام امتياز، وتمنّى وقتها أن يستكمل الدراسات العليا، لكن لم تكن الكليات الفنية توفر هذه الفرصة، فكتب خطاباً إلى الرئيس جمال عبدالناصر، يطالبه بضرورة إنشاء قسم للدراسات العليا بالكلية، وأرسله إلى الشاعر والفنان صلاح جاهين، فنشر الخطاب فى جريدة الأهرام، ليفاجأ صاحب الخطاب بعد عدة أيام باستدعاء من رئاسة الجمهورية، ويلتقى الرئيس الذى قال له «لم أفهم شيئاً مما كتبته»، فشرح له الموقف.. فضحك الرئيس بشدة وقال له «أعدك بعرض الموضوع على المختصين وسيكون هناك رد العام القادم»، وبالفعل نُفذت الفكرة فى العام التالى.
زوسر مرزوق كان وسيظل بطلاً للكثير من الحكايات، لكنه حين اختار أن يكتب لمحبيه، تكلم عن حادث تعرض له فى مرسمه قبل أيام، ليخبرهم أن ذراعه المكسورة جعلته أشد قوة.. لأنها أعادته لأحضان جيرانه، أراد أن يقول لنا اكسروا العزلة الاختيارية التى فرضتموها على أنفسكم لأن «جنة من غير ناس.. ما تنداس»، لقد ألقى الفنان التشكيلى بطرف الحكاية.. وتوقع أن يثير شهيتنا للحديث عن أبطال مثل هذه القصص.. حتى لا يظلوا مجهولين.. وحتى لا يظل القبح هو الرواية الوحيدة التى تسيطر على حياتنا.. الواقعية والافتراضية.
سيد المليجى