العلاقة بين الكبار والصغار، لا تختلف كثيراً عن العلاقة المثيرة بين «القط والفأر» فى معظم جوانبها، فكل طرف يحاول قدر المُستطاع أن تميل دفة الحياة ناحيته، وأن يكون رأيه هو السائد، حتى لو اصطدم ذلك بالواقع وصعوباته.
وبين هذا وذاك، توجد متغيرات عديدة فرضت على الأبناء العزلة بسبب الإحباطات المتعددة التى يتعرضون لها فى بداية مشوار الحياة، وليس على الآباء إلا تقبل الوضع الراهن، ما يخلق أطيافاً جديدة من المشكلات والأمراض الاجتماعية. وفى حال اختار الأبناء طريقة «المعافرة» ومواجهة الصعوبات والتحديات، يبدأون شق طريق حياتهم، دون أن يكونوا بمعزل عن الأسرة، فهى تظل طوال الوقت بجانبهم، تحثهم على اتخاذ القرار السليم، وفى الوقت ذاته تمسك الأسرة العصا من المنتصف، وتدفعهم أحياناً للاختيار ليدركوا بأنفسهم الطريق الصحيح.
فى القصص المختلفة التى نرصدها، تبرز أبعاد جديدة لصراع الأجيال والأزمات التى تنشأ فى بداية طريق الشباب إلى الحياة العملية.
انتظرت الأم أن ينهى نجلها حياته الدراسية بفارغ الصبر، لطالما حلمت صباح عبدالمتجلى بأن تغمض عينيها وتفتحهما على ابنها مرتدياً زى المحاماة واقفاً داخل المحكمة يترافع عن المظلومين، ثم يأتى اليوم الذى تختار له شريكة حياته التى تكمل معه مسيرته، وتملأ بيتهما بالبنين والبنات. أحلام لم تغادر مخيلة السيدة الخمسينية ليل نهار، تراها كلما غفت فى سبات عميق، لتفيق بأحد الأيام على صوت ابنها يباغتها بقرار «ماما، أنا عايز أسافر الكويت علشان أشتغل»، وقتها فقط شعرت أنه لا مكان لأحلامها فى حسابات الابن «حمادة» صاحب الـ22 عاماً الذى قرر فى لحظة أن يبدأ حياة أخرى فى بلد جديد لا يعلم إلا الله ما ينتظره فيه.
قرار السفر شطر العائلة نصفين، الأشقاء يؤيدون سفر «حمادة» بينما يعارضه الكبار بشدة، وتقول والدته «لا يمكن أقبل أسفر ابنى، إزاى أسيبه يتغرب ويتبهدل علشان ملاليم لا بتودى ولا تجيب، أكرم له يقعد فى بلده، يشتغل أى حاجة، أفضل من بهدلة السفر». الأم مصدومة وقلبها يرجف من الحزن على شقاء السنوات الماضية الذى قد يذهب لبلد غريب لا يدرى بمصير فلذة كبدها عند بلوغه، وتضيف «يعنى الشغل اللى موجود فى مصر قليل، الشباب مش عايز يصبر، وده اللى بيخلى مشروعاتهم تفشل ويضيّعوا مستقبلهم».
«محمد صالح السيد» انطلق إلى سوق العمل باحثاً عن وظيفة «ميرى» مثلما فعل والده قبل 30 عاماً عقب تخرجه فى الجامعة، حاملاً شهادة التخرج وأوراق التجنيد ومقومات العمل، سنوات طويلة قادته إلى اليأس من كثرة البحث عن وظيفة لا تأتى، بعد أن تقطعت به دروب القطاع الخاص، اختمرت فكرة الهجرة فى رأسه عقب اندلاع ثورة يناير، وإقدام عدد من الشركات الخاصة على تسريح العمالة، لم يطق فيها الشاب نصائح والده، «يا بنى مالها البلد، أحسن من غيرها»، وبعد 6 سنوات كاملة من التخرج فى كلية الحقوق تعثر خلالها فى مشروعات خاصة، واجه الأب بالقرار النهائى «مش عايز أكمل فى البلد، الثورة وقفت حالنا، والشركات بقت طاردة للعمالة».
لم يقف الرجل الستينى حائلاً أمام رغبة الشاب الجامحة فى الهجرة، بل على العكس راح ينهى إجراءات سفره لدولة السعودية بنفس راضية، ليخوض التجربة بنفسه، بحسب الأب «دفعت له فلوس الفيزا وطلّعت له جواز السفر، وقلت رب هنا رب هناك وأكيد الرزاق مش هيسيبه». شهر وراء الآخر لم يتحمل «أحمد» مرارة وذل الغربة ومهانة العيش بعيداً عن الأهل والأصدقاء، فقرر من تلقاء نفسه العودة إلى الوطن قائلاً «ما كملتش سنة فى السعودية، اشتغلت فى حاجات كتير، بس ماعرفتش طعم الراحة».
انتصرت إرادة الأب فى نهاية الرحلة، لكن بعد تجربة الابن القاسية التى خاضها بنفسه فى الغربة، ليصر عقب عودته على البحث عن عمل مهما كان عائده لحين أن يجد عملاً بمؤهله الدراسى، بحسب والده، لافتاً إلى سعادته بالقرار «كان نفسى يشوف بمرايتى، أنا خبرتى كبيرة فى الحياة، وأى حد يصبر ويتعب ربنا أكيد مش هينساه».
يغلق أبواب غرفته ساعات طويلة على عالمه الخاص، جهاز كمبيوتر، إضاءة خافتة، يجالسهما الشاب الذى يبدأ على استحياء سنواته العشرين، يخاطب شاشة صماء، يضحك ويبكى، وأحياناً يتحدث، لا يشغل باله بنداء أمه «قوم يا بنى علشان تتعشى»، أو طلب الأب «يعنى مش هتقوم تشوف مصلحتك وتدوّر على شغل»، كل همه هو مشاطرة الآخرين الذين يخاطبهم من خلف البوابات الافتراضية، بعد أن جعل من العزلة عالماً هو وحده صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه، حالة الابن «محمد سمير» الذى أنهى دراسته بكلية السياحة والفنادق قبل عام ولم يجد عملاً حتى الآن.
والد «أحمد» اشتاق رؤيته وأحياناً سماع صوته، رغم أنه يسكن معه فى نفس المنزل، غير أن الأب «سمير» اكتشف مع الوقت أن البعد لم يعد مكانياً، بل بات نفسياً وروحياً وله دلالة على زيادة الفجوة بين الأسرة التى حاولت مخاطبته بالشدة مرة واللين مرات لمنعه من البقاء ساعات طويلة أمام الكمبيوتر، دون جدوى.
لا يذكر الأب وقتاً جمعه مع ابنه سوى مرات عابرة على مدار شهرين فائتين، لم يقتنع الرجل الستينى الذى خرج للمعاش قبل سنتين أن السبب وراء انغماس «أحمد» داخل عالم الـ«فيس بوك» و«تويتر» هو العجز عن الحصول على فرص عمل، «أكتر من وظيفة فى تخصصه متوفرة لكن هو عايز يعيش حياته بطريقته الخاصة».
مرة تلو الأخرى لم يعد للحديث أى معنى، فكما يشغل الأب وقته فى تصفح مواقع التواصل الاجتماعى لا يرغب فى حرمان ابنه من هذا الحق، لكن البعد عن الواقع والانغماس فى غرفة معتمة قد يخلق هوة بينهما «خلاص بقيت باعرف أخبار ابنى من الفيس بوك، نفسى يرجع زى الأول، اجتماعى ونشيط وطموح ويخصص لنا ساعتين بس من وقته».
قبل 30 عاماً كان «محمود الحسينى» يقف فى نفس المكان، يتأهب بحماس الشباب لمظاهرات جامعية تطالب بتحسين الأحوال المعيشية ومراعاة الفقراء، ما تلبث أن تنتهى المظاهرات، حتى تهدأ حماستهم، يشعرون براحة ضمير وهدوء فى سريرتهم، الحال لم يعد كما كان، فالأعوام مرت سريعاً، ودفنت معها كل سبل التعبير التى بوصفه كانت مشروعة وقتئذ، ولم تعد كافية للشباب فى العهد الراهن، وها هو ابنه يشارك فى فعاليات طلابية ليس لإبداء الرأى، لكن للدلالة على وجود الشباب فى دولة تناستهم عبر سنوات طويلة، ولم تمنحهم الفرصة بعد ثورتين عظيمتين، ويقول الأب: «ابنى محمد السنة دى فى أولى جامعة، بيركز فقط فى أحوال البلد ومتابعة الأخبار، وتنظيم فعاليات».
لم يشأ الأب الذى تعدى الخمسين من عمره إثناء الشاب الذى قارب على العشرين عن رغبته فى المشاركة، فهو من وجهة نظره هدف نبيل، لكن خدمة الوطن ليست بحنجرة تهتف ولافتة ترفع بالمطالب، ففى الوقت الذى بدا لـ«محمود الحسينى» أن أهداف الثورة تحققت وبالأحرى معظمها، يصادر الابن على رأى والده، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً، ويقول «كل يوم مسيرات ومطالبات، طيب البلد دى مش مكتوب لها ترتاح أبداً؟».
«الحسينى» عانى كثيراً فى إقناع ابنه أن الاستذكار والمواظبة على حضور المحاضرات أكبر دليل على حب الوطن، وخلاف ذلك يوقف مسيرة الإنتاج ويعطل المسئولين عن تحقيق مطالب الشعب، «البلد مش هتقف على رجليها غير لما الدنيا تهدى، والشباب عايز طول الوقت يشوف نتايج، منين وهما مش بيشتغلوا ولا بينتجوا، والعواجيز هما اللى شغالين».
«الحرية المطلقة مرفوضة» نصيحة وجهها «محمد جودة» لابنه «وليد» وأشقائه الثلاثة، وبدا من الواضح أن الصغار تمردوا عليها حين اشتد عودهم، فالشاب الذى بلغ أواخر العشرينات لم يعد قادراً على السكوت، يشارك فى كل الفعاليات السياسية التى أعقبت الثورة متعللاً بقول «بدوّر على مصلحة البلد».
يتذكر الرجل الخمسينى الخلاف الذى نشب بينه وبين ابنه بسبب عدم الموافقة على مشاركة الابن فى إحياء ذكرى سياسية، استعمل وقتها الأب كل الحيل للتأكيد على أن تجديد الوجع لا جدوى منه، وعلينا تأبين شهدائنا، ومحاولة التهوين على أهلهم بتحقيق مطالبهم التى عاشوا من أجلها، «اللى بيخرج للمظاهرات دلوقت أكيد عايز خراب البلد».
«الشباب انفجر من الكبت السياسى السنين اللى فاتت، ومفيش حد عارف يوقف طموحه خلاص» هكذا لخص «سيد أيوب» تجربته مع أبنائه الثلاثة، ذوى الأعمار المتقاربة، كل منهم له هدف سياسى، وانتماءاته المختلفة، فالابنة الكبرى تجد فى الإنترنت وسيلتها للتعبير، أما شقيقتها الوسطى فتنتمى لأفكار الشارع بالرسوم الجرافيتى، بينما أصغرهم سناً يعتبر أن الحل فى التعبير عن آرائه بالإضراب عن العمل، وكل واحد فيهم له حياته وطريقته فى التعبير.
«سيد» ينسى فارق العمر بينه وبين الأبناء، وينزل إلى مستوى تفكيرهم، مخاطباً وعيهم بأحوال البلد، ناصحاً بالقول «يعنى لما ننظم مظاهرات ونخرب فى البلد، وندى للإرهاب فرصة يوقفنا محلك سر، هو ده معنى الحرية؟»، مناشداً الدولة إحياء دور دورات التثقيف السياسى لمفاهيم الحرية وحب الوطن.
ملف خاصبروفايل| محمد حسنين هيكل.. كَبِيرُهُمْ الذى...مطاردة على «فيس بوك»: «معركة أجيال» لا تنتهى