السلم الوظيفى: ممنوع الصعود

كتب: رحاب لؤى

السلم الوظيفى: ممنوع الصعود

السلم الوظيفى: ممنوع الصعود

«أنا مريت بتجربتين عرفت فيهم إن أى إعلان عن وظيفة حكومية مجرد وهم، والناس تاخدها من قصيرها وماتبهدلش نفسها أحسن، النتايج معروفة من قبلها ومافيش حاجة اسمها شفافية أو قواعد» نتيجة نهائية وصلت إليها الشابة نسمة يوسف، امتياز مع مرتبة الشرف فى «إعلام القاهرة»، تصورت نسمة أن حصولها على وظيفة حكومية أو خاصة أمر فى متناول يدها، فقررت أنها تريد «الحكومية» طلباً للاستقرار: «أول ما اتخرجت شُفت إعلان عن وظيفة علاقات عامة فى وزارة النقل، رُحت أقدم واستغربت جداً إن المتقدمين مش كتير، حسيت بثقة أكبر، كل شىء مر بسلام لكن فوجئت بالنتيجة، خريج نفس كليتى دفعة 2008، حاصل على مقبول، اقتنص الوظيفة. فى جريدة الأهرام، واصلت الفتاة متابعة الإعلانات، وعثرت أخيراً على وظائف إدارية فى النيابة العامة، وظيفة لا تتعلق بمجال تخصصها، لكنها قررت التقدم لها: «عملت ورقى المطلوب، وقدمت وشُفت الأسماء المستوفية الشروط، كنت رقم 25، بعدين عملوا إعادة تقييم، ولقيت نفسى رقم 4، عشان رتبوها بالتقدير التراكمى، دخلت الامتحان، وكان سهل جداً أى طفل فى حضانة يحله»، المرحلة الثانية من التقديم للوظيفة كانت مقابلة الناجحين للمحامى العام ورئيس النيابات: «لقيت الناجحين ألفين من أصل 4 آلاف، وتمت المقابلات، وانتظرت النتيجة، واكتشفت إن محدش من الأوائل حصل على وظيفة، وناس ماكانتش موجودة من الأساس من خريجى 2014 والإعلان معمول فى 2013، حصلت عليها، قررت ما أسكتش وبدأت أدوّر على حقى، قالوا لى إنتِ ساقطة من أول امتحان فى الإملاء، قلت لهم وما دمت ساقطة خلتونى أعمل المقابلة الشخصية ليه، طلبت الورق اللى يثبت سقوطى قالوا لى اتحرق». «نجحوا بناء على إيه؟ فين الشفافية؟ فين الكلام عن الشباب؟ كلها أوهام وشعارات وبس».. نظرة سريعة من «نسمة» على أصدقائها الحاصلين على وظائف بالدولة أثلجت صدرها: «عشان تدخلى الوظيفة لازم يكون فيه واسطة ومعارف، ولو حصلت المعجزة ودخلت بحق ربنا، الروتين هيموتنى، كنت هتحول من كائن نشيط لكائن خامل، لو فىَّ شوية حماس ولاّ نشاط هيروحوا.. ربنا أنقذنى عشان ما أقعش فى نظام العواجيز». عمرو الشورى، طبيب شاب، تصادف أن استطاع الظهور والحديث باسم الأطباء تارة عبر الدعوة للإضراب، وتارة كعضو فى نقابة الأطباء، مواقف عديدة مر بها الشاب جعلته يضع يده على موطن الداء: «التدرج الوظيفى قادر على قتل أى موهبة». ببساطة يعدد «الشورى» المراحل التى يجب أن يمر بها الطبيب عقب سبع سنوات من الدراسة: «عقب التخرج يبدأ مرحلة الامتياز، وهى مرحلة بلا مرتب وبلا تعيين، يحصل خلالها على مكافأة 250 جنيهاً، ثم يأتى قرار التكليف، ويتم التعيين على الدرجة الثالثة التخصصية، وتلك يجب أن يظل بها 8 سنوات، ينتقل بعدها للدرجة الأولى ليمضى سنواته ثم ينتقل للدرجة الأولى، أغلب الأطباء يخرجون على المعاش مع الدرجة الأولى، والبعض يواصل ليصبح مديراً عاماً، ثم مديراً عاماً كبيراً، وبعدها مدير إدارة، ثم وكيل وزارة». وعلى الرغم من أن المناصب القيادية فى الوزارات تأتى بالاختيار، لكن «الشورى» وكثيرين مثله لا يثقون فى طريقة الاختيار. يرى «الشورى» أن واحدة من أبرز أسباب فشل القيادات فى وزارات الدولة، ومن بينها وزارة الصحة، طريقة الاختيار للقيادات وطريقة الترقى: «ده طبعاً غير البيروقراطية والقوانين المترجمة حرفياً من فرنسا، وماتطورتش أبداً، قوانين من الستينات ما زالت موجودة، قانون العمل من أيام السادات، وقانون النقابة من سنة 69 أيام عبدالناصر، أنا مثلاً من سنين فى الدرجة التالتة، فاضل لى سنتين واللى هيفرق علاوة على كل درجة وده مبلغ بسيط». «السلم الوظيفى مسئول أيضاً عن تخلف البحث العلمى فى البلاد»، هذا ما أكده مجموعة من الباحثين، خصوصاً عقب ظهور رقم يقول إن 86% نسبة الباحثين المصريين الذين يرون أن المناخ التشريعى والمؤسسى فى مصر لا يساعد على الابتكار والبحث. الباحث فى مجال الطاقة الذى سلك مجالاً أكثر حرية بتأسيس جمعية «مصر الطاقة الخضراء» لتطبيق الأبحاث بحرية أكبر، لخص المسألة بقوله: «اختيار القيادات الرسمية للمؤسسات البحثية يأتى طوال الوقت بطريقة تضمن بقاء مصر بعيدة عن الابتكار والبحث العلمى، أعمار كبيرة، وأساليب إدارة وعمل عفى عليها الزمان، فى ظل قوانين وتشريعات خانقة، كيف لباحث أن يرى النور فى ظل هذا كله، سنوات طويلة بالسلك الوظيفى، والحضور والانصراف يحول أعظم عالم إلى موظف يخشى على أكل عيشه وحسب». يروى «حجازى» واحدة من قصص عديد تظهر أوجه المأساة: «فى أحد المراكز البحثية الرسمية تم تحويل اثنين من أفضل الباحثين للتحقيق، بحجة أنهما انتقدا أداء المركز فى الصحف، المفاجأة أن أحدهما حصل بعدها بأسبوع على جائزة أفضل بحث علمى متميز فى أول معرض للابتكار والاختراع يقام بالجامعة الأمريكية، وكأن المركز يكافئه على اجتهاده ورغبته فى تحسن الأوضاع بالتحويل للتحقيق، المشكلة فى القيادات، وفى القوانين التى تتحكم فى توليهم المناصب، لن نرى خيراً أبداً فى ظل هذه القيادات العجوزة، إن أراد السيسى إصلاحاً فعليه بالشباب، هم الأمل الوحيد والأكيد للبحث العلمى فى مصر، فليتولوا إدارة المؤسسات العلمية والجامعات، وسنشاهد جميعاً النتيجة فى وقت قياسى، لكن السؤال: من أين لهم هذا فى ظل دولة تسير على مهل بسلم وظيفى مجحف وظالم». الباحثون فى المجالات الأدبية والعلوم الإنسانية يعانون المعاناة ذاتها أيضاً، إكرامى عبدالفتاح، باحث يعمل لحساب إحدى دور النشر، شكا بدوره من البنية البيروقراطية التى تحكم كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية: «كيف يمكن لباحث أن يعمل فى ظل معاملة الموظفين التى يحظى بها الجميع، الحضور والانصراف ببصمات، كيف هذا؟». وعن السلم الوظيفى يتحدث عصام الإسلامبولى، الفقيه القانونى والدستورى: «الدرجة على السلم الوظيفى تتحدد بناء على المؤهل، هل هو مؤهل متوسط أم عال، هنا يبدأ القيد الوظيفى أو ربط الموظف بالدرجة، وبعد هذا يبدأ التدرج الوظيفى، العاملون بالدولة يحكمهم قانون 78 لسنة 79». ويتابع: «الوصف الوظيفى درجات، هناك ألف وباء وجيم، ويتم تحديد ذلك الفارق بسنوات الخبرة، أما الترقى والانتقال من درجة لأخرى فيكون بناءً على تقارير الكفاءة التى يتم تقديمها عن كل عام. وعلى الرغم من تعديل القوانين الحاكمة لسلم الدولة الوظيفى، فإنه يبقى حائط صد أمام تولى الشباب المناصب القيادية، يقول «الإسلامبولى»: «أقل درجة قبل تعديل القانون كانت السابعة، ودى درجة الخريجين، اتعدل قانون العاملين فى الدولة، وأصبح هناك مستوى يضم عدة درجات مع بعضها «ثلاثة مستويات» حتى يصل الموظف للقيادة، صحيح أنه تم إلغاء الدرجات الوظيفية، لكن الأسلوب ما زال واحداً: ويوصى «الإسلامبولى» بضرورة بناء فكر جديد تماماً لعملية التوظيف فى القطاع العام: «كان فيه كلام عن قانون جديد، لكنه كان جائراً على الموظف، بكل أسف كل محاولة للتطوير تأتى دائماً على حساب الغلابة، وإذا لم يتم وضع تصور يحمى العاملين من التعسف والتعنت ويضمن فى الوقت نفسه طرقاً مضمونة ومتطورة فى إدارة العاملين، مع توفير الإمكانات من أجهزة حديثة وتدريب، يبقى الكلام عن أى تطوير مجرد كلام عقيم». ويقول الرجل الذى خاض الكثير من القضايا المتعلقة بالأزمات التى يعيشها ملايين الموظفين: «من المسائل الغريبة جداً أن الموظف وضعه يختلف من وزارة لأخرى فى كل شىء، هناك وزارات تدفن الموظف والكفاءات، خصوصاً الخدمية كالتربية والتعليم والتضامن، وموظفوها يعانون من ظلم شديد، إذا ما تمت مقارنتهم بموظفى الوزارات المستحدثة كالاستثمار، والنتيجة موظف بنفس الدرجة، لكن راتبه وتقديره ووضعه يختلف من وزارة لأخرى، وزارة التنمية الإدارية لديها تصورات عديدة للتطوير ما زالت حبيسة الأدراج، وما زالت المهزلة مستمرة سواء فى شباب يعانون داخل السلم الوظيفى القاتل، أو فى قيادات يتم اختيارها على أسس غير منطقية. ملف خاص بروفايل| جابرعصفور.. ثقافة «الكرسى» التجربة الألمانية.. دولة عواجيز «سناً» يحكمها شباب «فعلاً»