«بدو الديجيتال»

أخبرنى صديقى البدوى الجديد بأنه عاد من العاصمة الألمانية برلين إلى أبوظبى، لمدة أسبوع، ثم سيتجه إلى جزيرة بالى الإندونيسية، لأن لديه أعمالاً فنية يريد أن يُنتجها، وجزيرة بالى، بشواطئها ومناخها، هى المكان الأمثل لهذا المشروع، وتسلم الدفعة الأولى من المبلغ، وسيرسل لهم الأعمال من الجزيرة الاستوائية، وأنه قام بتصفية مكتبه والاستوديو الذى يديره لأنه قرر أن يصبح من البدو الرقميين.. وما عليه إلا أن يقفز لأقرب طائرة أو قطار يأخذه للمكان الذى يريده ويقيم فيه المدة التى يريدها بتأشيرة سياحية، لا يدفع ضرائب ولا رسوماً مقابل أن يعمل فى هذه البلدان.. وأن هناك دولاً ومدناً بالفعل غيّرت قوانينها لتوفير بيئات جاذبة لهؤلاء الرحالة الرقميين.

انطلقت تسمية البدو الرقميين (Digital nomad) عام 1997 مع انتشار شركات الاتصالات والإنترنت، خصوصاً فى وادى السيلكون بأمريكا، وبرزت هذه الفئة أكثر مع إغلاقات جائحة كورونا لمقار العمل والدوام عن بُعد.

وتُعد غالبية هؤلاء البدو الرقميين من الشباب الذين يضيقون بتسلط المدير ومحاسبتهم على الحضور والانصراف والروتين القاتل للإبداع.. وقد تنبّهت بعض الدول لهذه الفئة التى تُشكل رافداً ثقافياً وإبداعياً لها واستثمارياً أيضاً، وأغلبهم من الفنانين والمؤلفين واليوتيوبرز الذين يجوبون المدن للتصوير ونشر لقطاتهم عبر منصات التواصل الاجتماعى، محققين انتشاراً ومكسباً مالياً لا يستهان به.

وبرزت أمستردام وجزيرتا بالى الإندونيسية وشنغماى التايلاندية باستقطاب البدو الرقميين، فيما استحوذت مدينة دبى على الجانب الأكبر من كبار المديرين التنفيذيين وأصحاب الشركات العائلية للعمل فى بيئات تناسب خصوصيتهم أيضاً وبالأخص فى جزيرة النخلة، حتى سميت المنطقة التى يقطنونها بـ«سعفة المليارديرية».

وعند حديثه عن البدو، تذكّرت فيديو يتحدث فيه الباحث الفلسطينى زياد يوسف حسين بأنه كان يتم تدريس الجغرافيا الاقتصادية لطلبة المدارس بفلسطين عام 1925 عندما كان بدو الخليج يأكلون «الموز بقشره»!

نعم أخى الباحث كنا نعرف التمرة والسمك والحليب، والفواكه فى بعض المناطق الخليجية كانت قليلة لفقرنا آنذاك، مع العلم بأن المناطق الجنوبية من المملكة العربية السعودية تزرع الفواكه منذ مئات السنين، لكن عندما أغنانا الله بالنفط، تقاسمنا رغيف خبزنا مع أشقائنا العرب بكل البلدان، وفى السبعينات عندما كان سعر برميل النفط دولارين فقط تم تعمير بلداننا والبلدان العربية معنا فى نفس الوقت والوقوف معها، ورسم ابتسامتهم قبل ابتسامتنا لأن واجبنا العربى أن نكون سنداً لبعضنا البعض.

وكم كانت لفتة جميلة وإيجابية من الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى خلال تدشين الوحدات البحرية لهيئة قناة السويس بتذكره دعم الأشقاء الخليجيين لمصر خلال الفترة الصعبة بعد ثورة 25 يناير 2011 حتى تبقى هذه الدولة المصرية مستقرة وكى يتجاوز شعبها الصعوبات.

الأيام دول، وأصبح البدوى الرقمى يطير إلى دبى لتوفر البيئة الآمنة والمناسبة للعيش وممارسة الإبداع، والمواطن الإماراتى وصل إلى المريخ وسيهبط على القمر عام 2024 ويدير الآن المفاعلات النووية السلمية فى محطة «براكه» بأبوظبى، وتبوأت المرأة فى الخليج مناصب قيادية.

صديقى الباحث، فلسطين وشعبها وتاريخها فى قلوبنا ونحفظه، فقم يا أخى فقد ولّى عهد التنابز بالألقاب، ولنتباحث ونتشارك فيما يجمعنا، ولنترك التغنّى على الأطلال، فإنجازات السابقين تُسجَّل لهم، فماذا نحن صانعون لحاضرنا ومستقبلنا؟

وتذكّر: «إن لم تتقدم تتقادم، وإن أطلت النظر إلى الخلف ستسقط».

حفظ الله بلادنا وشعوبها.