ليز تراس..!!
استهلت رئيسة وزراء بريطانيا "ليز تراس" بداية عملها باثارة الجدل حول شخصيتها وتصريحاتها العنصرية فضلا عن تزامن توليها رئاسة الحكومة بوفاة الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا, التي تركت حزنا كبيرا عند البريطانيين لما تستحوذ عليه في نفوسهم من مكانة رمزية كبيرة, تراس المثيرة للجدل بدلا من الالتفات للملفات الداخلية الثقيلة التي ورثتها عن رئيس الوزراء السابق "بوريس جونسون" وإعطائها الأولوية القصوى, في ظل انهيار الاقتصاد وتصاعد الاحتجاجات وازدياد حجم التضخم, فقد ذهبت بعيدا وأعلنت ولائها لإسرائيل بلا مبرر, فيما كانت تصريحاتها التي عزفت على أوجاع الفلسطينيين حين وصفت نفسها بالصهيونية الكبيرة, بمثابة صفعة على وجه السلام, وكأن الصهيونية صفة حميدة لكل مخلص لليهود. ليز قالت بوضوح "أنا صهيونية كبيرة, وداعمة كبيرة لإسرائيل" في لقائها مع مجموعة برلمانية مؤيدة لإسرائيل من حزب المحافظين.
ولم تكتف بذلك, بل أعلنت التزامها الثابت تجاه إسرائيل كما تعهدت بأنها ستنقل العلاقة بين المملكة المتحدة وإسرائيل من قوة إلى قوة أكبر, بمعنى التنسيق المشترك على زيادة التعاون بين البلدين في كافة المجالات بما فيها الدعم السياسى المنحاز، الأمر الملفت هو المجاهرة الفجة في تصريحات رئيسة الوزراء البريطانية التي تنم عن قلة الخبرة والحنكة السياسية, فلا يخفي على أحد التأييد الرسمى البريطانى لإسرائيل سواء في حزب العمال أو المحافظين, دون الاجهار بذلك, فسلوكهم السياسى يعبر عن تأيدهم الثابت لإسرائيل دون التباس, ودون الحاجة إلى التصريح العلنى الذى قد يثير التحفظات, خاصة بعد قرار الجمعية العامة للأم المتحدة رقم 3379 في 10 نوفمبر عام 1975, الذى أكد أن "الصهيونية هى شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصرى".
وطالب القرار جميع دول العالم بمقاومة الايديولوجية الصهيونية والتي بحسب القرار تشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين.تصريح تراس إنما يظهر حجم التدهور والتردى الذى أصاب الوحدة العربية في مقتل, والتي أصبحت أثرا بعد عين, فكيف لنا لوم رئيسة وزراء بريطانيا الدولة التي خرج منها وعد بلفور المشؤوم بانشاء وطن قومى لليهود, ومنذ ذلك الحين توالت المصائب على رأس الفلسطينيين, ونترك ذوو القربى الذين أقاموا اتفاقيات سلام وعرقات مع إسرائيل للدخلول في بوتقة التطبيع الرسمى معها.
لذا فإنه لم يكن على ليز أن تخشى المجاهرة بصهيونيتها, دون أن تعمل حساب لردود الفعل العربية أو حتى تكترث لها, فهى تعلم أن تصريحاتها ستلقى آذانا صماء لن يلتف إليها أحد, غير أن الجدل حول تراس لا ينحصر في جهلها وقلة خبرتها السياسية, ولكن في التحديات التي تنتظرها في تعاملها مع الملفات الداخلية الشائكة التي يأتى على رأسها أزمة اوكرانيا, ومواجهة التضخم, والتغيرات المناخية, وتوحيد جبهات حزب المحافظن, واستقلال اسكتلنرا, وبروتوكول ايرلندا الشمالية, وغيرها من الملفات التي تسترعى الاهتمام. لكن الشئ المذل أن تُترك تصريحاتها دون صدور رد فعل ولو كان على استحياء, مثلما جاءت ردود الأفعال على تصريحات الرئيس الفلسطينى محمود عباس في المؤتمر الصحفي الذى عقد مع المستشار الالمانى "اولاف شولتس" في برلين الشهر الماضى حول الهولوكوست والذى أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية, فقد اعتبر شولتس تصريحات عباس التي قال فيها:" أن إسرائيل ارتكبت 50 هولوكوست ضد الفلسطينيين" وقاحة سياسية! معتبرا أنها تقلل من أهمية المحرقة التي جرت إبان الحرب العالمية الثانية.
ورغم أن الرئيس الفلسطينى سارع ووضح أن ماقصده في كلامه, لم يكن انكار خصوصية الهولوكوست, وإنما إشارة إلى المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطينى منذ النكبة على أيدى قوات الاحتلال الإسرائيلى والتي لم تتوقف حتى الآن, غير أن ذلك لم يلق آذانا صاغية ولم يشفع للرئيس عباس من استمرار الهجوم الشرس عليه في المانيا وإسرائيل وغيرها, بل طالب مسئولون المان باجراء تحقيق مع الرئيس عباس حول تلك التصريحات؟! وفي موقف لافت ومثير اعتبر المستشار الالمانى أن أى محاولة لاضفاء الطابع النسبى على تفرد المحرقة, أمر غير محتمل وغير مقبول, واصفا تصريحات الرئيس عباس في هذا الخصوص ب"المشينة"!لم تكن تصريحات ليز تراس وليدة اللحظة أو مفاجئة, فقد روجت لها في حملتها الانتخابية لتصبح زعيمة حزب المحافظين الجديدة ورئيسة الوزراء, لكن المفاجئ كان في إعلانها الصريح دون مواربة عن تأييدها المطلق للعنصرية والتمييز العنصرى, الذى جرمته الامم المتحدة في مواثيقها الدولية وتشريعاتها الأممية, والمؤلم أن لا يكون هناك من يواجه تلك العنصرية .