الجواسيس الجدد!

جرب أن تضع هاتفك الذكى على الطاولة وأنت تتحدث مع رفاقك حول منتجات منزلية أو هاتف جديد تود شراءه، أو حتى عن بلدة تحلم بزيارتها، بل عن أسماء مشاهير السوشيال ميديا، بعد ذلك أمسك هاتفك وتصفح منصات التواصل الاجتماعى، ستجد ما تحدثت عنه أمامك كإعلان أو كمنشور فى جميع منصاتك.. نعم إنهم يسمعونك، وصوتك يسرى لهم، والعزيزة «سيرى»، المساعدة الافتراضية فى الآيفون، و«أليكسا» فى أمازون، آذانهم دائماً معك، ويفهمون حتى اللهجات ناهيك عن اللغات!

وما زلت أكره الوقت الذى بحثت فيه عن حذاء رياضى على محرك البحث فى عام 2019، وما زالت إلى اليوم إعلانات هذا المنتج تصلنى فى كل مكان، وحتى عبر البريد الإلكترونى!

قبل أشهر كان هناك اجتماع عن بُعد بالفيديو بين مسئول بوزارة الداخلية الألمانية مع نظيره الأوكرانى يتحدثان فيه عن مجالات التعاون لمساعدة الأوكرانيين فى حربهم مع روسيا، وبعد 15 دقيقة من الاجتماع وطرح المعلومات المهمة، اكتشف المسئول الألمانى أن الشخصية الأوكرانية مزيفة، رغم معرفته المسبقة به شكلاً وصوتاً، إلا أنه وقع فى فخ تقنية «التزييف العميق»، استخدمها الهاكرز الروسى بتغيير ملامحه وصوته، ليصبح فى هيئة المسئول الأوكرانى تماماً!

سابقاً إذا أرادت الدول أن تعرف معلومة أو تخترق صفوف أعدائها، تجند جواسيسها وتصرف ملايين الجنيهات لتدريبهم وتعليمهم، ناهيك عن الوقت الذى يستغرقه الجاسوس فى الوصول وتذويب نفسه فى المجتمع المخترق ليصبح أهلاً للثقة، وتحمّله لأخطار الكشف عن هويته، وكم استغرق «رأفت الهجان» للوصول إلى جهاز الموساد الإسرائيلى ومعرفته بموعد حرب يونيو 67، وتفاصيل «خط بارليف» وصداقته مع أهم المسئولين هناك، ولكن قضى 18 سنة من عمره محفوفة بالمخاطر والقلق.

الآن بضغطة زر واحدة تأتى تفاصيلك لدى شركات التواصل الاجتماعى، فأنت عزيزى القارئ سلمتهم بصمة وجهك ويدك لتفتح هاتفك سريعاً، وتفاصيل رحلاتك ومطعمك المفضل ومكان منزلك وعملك وزياراتك العائلية وأهلك وأقاربك، وقد نشرت صحيفة «ذا جارديان» البريطانية تقريراً عن مواقع التواصل الاجتماعى، كيف يستخدمون الكاميرا والميكروفون والمعلومات التى تدخلها لاستخدامها لأغراض تسويقية على حد تعبيرهم، فقد أصبحنا مع «الجواسيس الجدد» سِلعة قيّمة يتم بيعها لمن يريد.

وتذكرت العالم السويدى «ألبرت نوبل» عندما اكتشف «الديناميت» لمقاصد شريفة، منها شق طرق السكك الحديدية بطريقة أسهل والتعدين والبناء والهدم.. ونحن الآن على مشارف حرب طاحنة بين روسيا وأوكرانيا، قد تتحول إلى حرب عالمية ثالثة بسبب هذا الاكتشاف النبيل حسب وصفه!

لن أقول لك اترك هذه البرامج رغم وقاحتها فى إجبارك على الموافقة بالأحكام والشروط الخاصة بها، بطريقة «ابتزاز» ولكن بشكل قانونى، حتى تستخدم برامجهم، مقابل انتهاكهم لخصوصيتك واستخدامهم جميع بياناتك وصورك، ولكن عليك أن تحد من استخدامك ولا تفتح نوافذ خصوصيتك على مصراعيها لهم، وتذكر بأن المقاصد الجميلة ليست شرطاً بعدم وقوعك فى الفخ واستخدامك أنت فى أنشطتهم المشبوهة.