كن رجلا.. ولا تبكي!

لا أعرف يقينا من أين أتت تلك الأقاويل المتوارثة، عن أن من صفات «الرجل» ألا يبكي وأن يكون ثابتا صامدا رابط الجأش، متبلد المشاعر، في كل الأوقات والمواقف، حتى الصعبة والقاسية منها، وألا تذرف عيناه الدموع، ولكن الأمر منتشر ومستشرى لدى البعض وفقا لعادات وتقاليد وجدوا عليها آبائهم وأجدادهم.

فكثير من الآباء -والأمهات أيضا-، حين يربون ولدا ويقدم على البكاء، يظلون يعنفونه، قائلين: «خليك راجل وما تعيطش»، وكأن الله خلق الذكر بلا قنوات دمعية، فالله عز وجل خلق كل نوع بما يحتاجه من أجهزة تؤدي وظائفها، فإن كان الرجل عليه ألا يبكى، فلماذا خلق بقنوات دمعية!!؟.

تعرّف الدموع علميا، على أنها أحد سوائل الجسم، وتنتج عن عمليات إراقة لتنظيف العين، أو إثارة «العواطف القوية» مثل الحزن أو شدة الفرحة والإثارة، فمن الممكن أن تؤدي هذه المشاعر إلى البكاء، فضلا عن أن عملية التثاؤب من الممكن أن تتسبب في الدموع، وتكون آليتها عندما يواجه عقل الإنسان موقف يصعب عليه تحمله فيصدر أمر إلى العين بإفراز الدموع كي تساعده على تحمل هذا الموقف وتساعده على التعبير عن مدى تأثره بهذا الموقف فهي لا تدل دائما على الحزن وإنما تدل على شدة التأثر.

الرجل مثله مثل الأنثى، لديه مشاعر، ويتأثر بما حوله، فمن لا يبكي؛ لا مشاعر له، وليس بالضرورة ألا تبكي حتى تصنف كرجل، فالبكاء تأثرا -فرحا أو حزنا- عملية إنسانية بحتة، تدل على طبيعة بشرية بحتة، وأحيانا يأتي البكاء في هيئة ضعف أو ألم أو قلة حيلة، وكلها مواقف ليست حكرا على النساء فقط، فالرجل من حقه أن يتأثر بما حوله وأن يبكي.

«البكاء» ذكر في القرآن الكريم، ولم يذكر حصرا لنوع واحد من البشر، فذكر الخشوع حتى البكاء، وذكر البكاء تأثرا بالحزن، كما أنه روي عن النبي محمد «صلى الله عليه وسلم»، أنه بكى في مواقف عدة ومناسبات مختلفة، فالنبي «سيد البشر أجمعين»، بكى، فلماذا يريد البعض حصر البكاء للنساء فقط دون الرجال!؟.

لا تقسو على أولادكم، وعلموهم أن يعبروا عن مشاعرهم بطريقة صحيحة، وألا يكتموها تماشيا مع تقاليد أكل الدهر عليها وشرب، علموهم أن البكاء تعبير عن المشاعر وليس مقياسا للرجولة، من حقهم أن يبكوا وأن يكون لهم مشاعر وتعاطف وتعاطي مع مختلف المواقف الحياتية.