«العمارة الخضراء» رهان رابح على الطبيعة (ملف خاص)

كتب: خالد عبدالرسول

«العمارة الخضراء» رهان رابح على الطبيعة (ملف خاص)

«العمارة الخضراء» رهان رابح على الطبيعة (ملف خاص)

فى الوقت الذى يدق فيه الخبراء مُجدداً ناقوس الخطر من العمارة الخرسانية غير الصديقة للبيئة، ومواد البناء والتشطيبات المستخدمة فيها، وما تمثله من مخاطر صحية لساكنيها؛ بداية من ضيق التنفس وحتى السرطان، فضلاً عن تهديدها لمستقبل الكوكب ككل، من خلال ما يصدر عنها مباشرة من انبعاثات ضارة، أو عبر زيادتها لاستهلاك الطاقة، وما يؤدى إليه ذلك من احتباس حرارى وتغيرات مناخية، بدأت «العمارة الخضراء» تتصدر واجهة الضوء، محلياً، كحل بيئى حديث وقابل للتطبيق لهذه المشكلات، وغيرها.

«المبانى الخضراء» تكسب ثقة سكان قرية موسى ميزار

هكذا بدأ الريف مجدداً يحتضن العمارة الخضراء فى شكلها الحديث، التى تُعتبر فى حقيقتها امتداداً لعمارة الأجداد، من أيام المصريين القدماء، وذلك ضمن مبادرات أهلية حظيت برعاية حكومية، ظهرت فى قرية «موسى ميزار» بمحافظة الفيوم، فى محاولة لاقتفاء تجربة قرية تونس الشهيرة المجاورة، ومن المقرر تعميمها على المزيد من القرى، بعد أن لاقت استحساناً من السكان، وفهموا من خلال معايشتهم فيها كيف تُقلل بشكل طبيعى من تأثير الحرارة، وتقلل فواتير الطاقة، وتؤثر إيجاباً على صحتهم، وتحسن من جودة حياتهم بشكل عام.

وبخلاف القرية، تطرح العمارة الخضراء نفسها بقوة أيضاً فى المدينة، فى ظل توجه رسمى متزايد لتبنيها فى مبانٍ مهمة، فى مقدمتها المتحف المصرى الكبير، أو من خلال اعتماد إنشاء 25 ألف وحدة إسكان اجتماعى جديدة بطرق البناء الأخضر الصديقة للبيئة والإنسان، والموفرة للطاقة، وذلك بعد تفعيل وإعادة تشكيل المجلس المصرى للعمارة الخضراء والمدن المستدامة، الذى يأتى فى مقدمة مهامه تفعيل نظام «الهرم الأخضر» المصرى لتقييم المبانى الخضراء، الذى سبق وأبدعه خبراء مصر قبل 10 سنوات.. وهى التطورات التى يرى الخبراء أنها تثبت للعالم، فى قمة شرم الشيخ للمناخ «cop27»، التى ستستضيفها مصر الشهر المقبل، أننا نجتهد معه لإيجاد حل محلى يشارك فى الحل العالمى لحماية الكرة الأرضية من التدهور البيئى والتغيرات المناخية التى تهدد مستقبل كوكبنا.

 «سكينة» تودع حياة المجارى بفضل «العمارة البيئية»: رجعنا بنى آدمين

بعد أن عاشت «الست سكينة» كابوساً يومياً، كانت تصحو فيه لتنزح مياه الصرف التى أغرقت منزلها القديم بقرية موسى ميزار، بمحافظة الفيوم، والذى كانت تمضى معظم اليوم خارجه، ولا تعود إليه إلا مضطرة لتأخذ استراحة محارب لساعات قليلة تنام فيها، لتستأنف بعدها معركتها اليومية مع مياه الصرف، كانت العمارة البيئية الخضراء بمثابة المنقذ للسيدة التى شارفت على إكمال عقدها السادس، وآخرين من سكان القرية من هذا الكابوس.

القرية التى تم إنشاؤها أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، كواحدة من 10 قرى أخرى ضمن جهود عبدالناصر لتنمية محافظة الفيوم والصحراء بشكل عام، والتى تُعرف أيضاً باسم «القرية الأولى»، تداعت مبانيها الخرسانية القديمة التى تم إنشاؤها عام 1964، وأصبحت مياه الصرف كابوساً يؤرق غالبية أهلها، ولا سيما من أصحاب البيوت القديمة الذين عجزوا عن إعادة بنائها أو تعليتها فى محاولة للهروب من مياه الصرف، إلى أن جاءت مبادرة تطويرها من جانب عدد من أساتذة وطلاب العمارة البيئية الخضراء بجامعة 6 أكتوبر للعلوم الحديثة، بالتعاون مع محافظة الفيوم.

وسط بيوت خرسانية تقليدية من تلك التى تنتشر فى معظم الريف المصرى الآن، كان «بيت الست سكينة» يقف متميزاً بعمارته ومواد بنائه ولمساته التراثية والجمالية، وما أن صعدنا بضع درجات على السلالم الحجرية للمبنى، ودخلنا للصالة التى كانت مسقوفة بقبو من الطوب الطفلى، الذى يشكل مادة البناء الرئيسية للمنزل، وجدنا درجات الحرارة فى الداخل أقل بشكل واضح، ونسمات الهواء الخفيفة القادمة من «ملقف الهواء» تنتشلنا من قيظ الخارج.

من الصالة التى توصف بـ«قلب البيت» كان يتفرع على اليمين حجرة نوم رئيسية ثم حمام رئيسى كبير، وعلى اليسار حجرة جلوس يتفرع منها حمام آخر للضيوف مؤثث بشكل حديث، وفى مقابل الصالة كانت «طرقة» صغيرة مبنى فوقها «ملقف الهواء» الذى يجلب الهواء «البحرى» للبيت، بعدها نجد المطبخ. بينما كنا نستكشف المنزل أخذت «سكينة» تتذكر ما كان عليه الوضع فى السابق فى البيت القديم الذى تمت إزالته تماماً، وتقارنه بما أصبح عليه الحال الآن فى منزلها الحالى الذى جرى بناؤه من جديد بالتقنيات والمواد الطبيعية، قائلة: «زمان كنا عايمين فى الصرف، وبنرفع هدومنا واحنا ماشيين فى البيت عشان الميّه، وكنا بنقوم من النوم على نزح مياه الصرف، وطول النهار قاعدين بره البيت أو عند الجيران». ومن هذا الكابوس الذى كان مسيطراً عليها لسنوات فى الماضى، انتقلت الحاجة سكينة إلى واقع آخر الآن: «دلوقتى حاجة تانية.. فى الصيف بارد، والجيران بقوا بييجوا يقعدوا معانا فى القيلولة هنا، وفى الشتاء دافى وما بنحتاجش لغطا كتير، ده غير إنه نضيف ومفيش حشرات».

هذه الانطباعات الجيدة التى تكونت لدى صاحبة البيت بعد أكثر من عام من الحياة به، يُرجعها المهندس المعمارى إسلام أبوالدرداء، أحد المشاركين فى تصميم وبناء المنزل، إلى أسلوب البناء الأخضر المعتمد على التصميمات ومواد البناء الطبيعية الخضراء، التى توفر الراحة لساكنيها مع تحسين حالتهم الصحية والنفسية، جنباً إلى جنب مع تقليل الاعتماد على الطاقة وعدم المساهمة فى إصدار انبعاثات ملوثة للبيئة.

يقول المهندس إسلام: «العمارة اللى بنعملها بتبعد عن الأسمنت المسئول عن 7.2% من انبعاثات الكربون الضارة فى العالم، وبتوفر طاقة وتمنع تلوث ضخم، لأننا بنعتمد على استخدام المواد الطبيعية فى صورتها الأصلية بأقل معالجات ممكنة، مما يتيح تقديمها للمجتمع بصورة بسيطة يقدروا يكرروها بنفسهم».

ويضيف: «الطوب اللى بنعمله، المسمى بالطوب المضغوط، عبارة عن التربة الطفلية اللى بنجيبها من الصحراء، وبتتحط فى مكبس يدوى لا يحتاج سوى لأربعة أشخاص لتشغيله بلفة ذراع بسيطة من غير لا مكن وكهرباء أو ديزل، وبدون الحاجة لحرق الطوب والمساهمة فى انبعاث مزيد من التلوث». ومن هذا الطوب، كما يوضح المهندس إسلام، يتم بناء حوائط البيت التى تسمى فى هذا النظام من المبانى بـ«الحوائط الحاملة» والتى تقوم مقام الأعمدة فى المبانى الخرسانية، فى حمل الأسقف والأدوار التالية، والأحمال الأخرى من بشر وأثاث. ومن نفس مادة الطوب، المكون من الطفلة الصحراوية والرمل والجير، يتم بناء الأسقف وعمل المحارة.

جانب آخر مهم من مميزات العمارة الخضراء، حسبما يوضح المهندس إسلام، هو انخفاض تكلفتها مقارنة بالعمارة الخرسانية، بما يتراوح بين 30 و40%، وهو ما يجعل العمارة الخضراء مناسبة لتبنيها ضمن مشروع «حياة كريمة».

بيت «الست سكينة» واحد من 6 بيوت أخرى تم عمل صيانة وإعادة تأهيل لها، ومن المقرر ضمن المشروع نفسه هدم وإعادة بناء 18 بيتاً آخر، فضلاً عن عمل صيانة وإعادة تأهيل لـ35 بيتاً آخر، بعد أن اكتسبت التجربة الأولى ثقة أهالى البلد، حسبما يؤكد عبدالناصر سعداوى، رئيس جمعية تنمية المجتمع المحلى بالقرية، التى تم تطويرها هى الأخرى بالطرق البيئية.

رئيس «تنمية المجتمع»: التجربة الأولى أثبتت أننا فى الطريق الصحيح.. والأهالى أخذوا انطباعاً جيداً عنها

ويضيف «سعداوى»: «جاء أول نموذج إحلال وتجديد، وهو منزل الست سكينة، ليؤكد أننا فى الطريق الصحيح، وأنه صحى للغاية، وفى حين كانت درجة الحرارة فى شهر يوليو تتراوح بين 41 و44 درجة، كانت داخل المنزل بين 28 و31 درجة، والناس أخدوا انطباع كويس عن المبانى دى، وتم تدريب 5 شباب تقريباً من القرية على طرق البناء بالمواد البيئية». هنا يتحدث المهندس عمرو أحمد، أحد المشاركين فى تصميم وتنفيذ مشروع المبانى البيئية بالقرية، موضحاً الأسس التى قام عليها المشروع، مشيراً إلى أنها شملت 3 عناصر أساسية، هى: المشاركة والتدريب والتطوير.

يقول المهندس عمرو: «دربنا مجموعة كاملة من أهل القرية على إنتاج الطوب، وذلك للمساعدة فى توفير فرص عمل لهم، علماً بأن من ضمن أهداف المشروع إنشاء ورشة لإنتاج طوب التربة المضغوطة».

تبدو هذه الحقيقة الأخيرة مهمة، فى ضوء إسهامها فى توفير فرص عمل، فى مجتمع فقير هجره كثير من الرجال مضطرين، للعمل فى أعمال هامشية بالقاهرة الكبرى، وهى المميزات الإضافية التى تجعل المشروع صالحاً لتبنيه ضمن مبادرة «حياة كريمة»، بحسب المهندس المشارك فى تصميم وبناء المشروع.


مواضيع متعلقة