سياسي استثنائي

ياسر خليل

ياسر خليل

كاتب صحفي

تتراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار، فترتفع أسعار السلع والخدمات، وتتزايد التحديات أمام الدولة المصرية، يشعر البسطاء والطيبون من أبناء الوطن بحالة من القلق. أما الخبثاء، أهل الفتن، الذين لفظتهم الأرض الطيبة، فيطلون برؤوسهم من جحورهم، يبثون الشائعات، والأكاذيب، لعلها تفلح مرة، بعدما فشلت آلاف المرات.

يظهر بين أبناء الوطن القلقين رجل ذو قلب مطمئن، وسر طمأنينته أنه، يحصل على المعلومات من مصادر موثوقة، ويتابع عن كثب رحلة صعبة خاضتها مصر على مدار 8 سنوات، مع قيادة سياسية نجحت في أن تنجو ببلدها من أمواج عالية، وأعاصير عاتية ضربت دولا عدة بمنطقة الشرق الأوسط، سقط بعضها، وتمزق بعضها، فيما نجحت مصر في أن تتخذ مسارا آمنا، وتعيد بناء ثقلها السياسي.

تردد كلمة سياسة في عقل صاحب القلب المطمئن، جعل سؤالا يقفز إلى رأسه: كيف وصف القائد المصري نفسه، ذات يوم، بأنه ليس سياسيا؟

يلوح بمخيلته طيف رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل، وهو ينظر إليه بعينيه من أعلى نظارته المستديرة، ويتبسم متسائلا بأسلوبه الفكاهي المعهود: إذا لم يكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سياسيا... فما هو مفهوم السياسي إذا؟ إنه سياسي استثنائي.

يبتسم المطمئن، ويومئ برأسه متذكرا سلسلة من الأحداث وقعت في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013: غضب الغرب بشدة من إطاحة جماعة "الإخوان المسلمين" من سدة الحكم.

أوقفت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما المناورات العسكرية مع مصر، وجمدت صفقة طائرات أباتشي لصالح الجيش المصري، وهددت بمراجعة مساعداتها للقاهرة، في وقت كان اقتصادنا يمر بحالة شديدة الصعوبة، والاحتياطي الأجنبي ينفذ في تلبية الاحتياجات الأساسية للمصريين.

كانت أوروبا أيضا تمارس ضغوطا شديدة على السلطات المصرية للتراجع عن عزل الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي، وتطالب بالسماح بالتظاهرات التي كان ينظمها أنصاره.

في بلد عانى انفلاتا أمنيا بعد ثورة 25 يناير 2011، وتم تهريب قرابة 10 ملايين قطعة سلاح وذخيرة عبر الحدود الممتدة، وتسلل نحو 3 آلاف إرهابي مدرب من أفغانستان وبلدان أخرى، وتكونت به خلايا "إخوانية" مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة"، كان السماح بالتظاهر يعني الموافقة على عن أن تغرق مصر في بحر من الدماء، وأن تسودها الفوضى والفتن.

بدت البدائل كلها صعبة للغاية في ذلك الوقت: خسارة حلفاء وأصدقاء مصر في الغرب، خيار بالغ الصعوبة، والخضوع لمطالبهم التي لا تراعي المصالح العليا لمصر، ليس خيارا أصلا بالنسبة لقائد نشأ في مؤسسة من ثوابتها صيانة كرامة الوطن ومصالحه العليا.

يتذكر صاحب القلب المطمئن، كيف أن السيسي عالج المشكلة دون شعارات جوفاء، أو خطب رنانة. سافر الرئيس في هدوء إلى روسيا، وإلى الصين، وظهرت صور القائد المصري -الذي يلقى دعما كاسحا من شعبه- في صحف العالم، وهو يحظى باستقبال حافل من زعماء موسكو وبكين.

وصلت الرسالة من الشرق إلى الغرب في سلام بملمح البصر، فتم فك تجميد طائرات الأباتشي وتسلمتها مصر، وعادت العلاقات مع الأصدقاء الأميركيين والأوروبيين تنتعش يوم تلو الآخر، مع الاحتفاظ بعلاقات وطيدة روسيا والصين.

الوزن السياسي للدول، والأدوار التي تلعبها في محيطها الإقليمي يحدد مكانتها بين الأمم. يدرك السيسي ذلك، لذا بدأ يهتم بالعمقين العربي والأفريقي.

على الجانب العربي كانت القاهرة حاضرة في العديد من المواقف، ولعبت أدورا كتبت بحروف من ذهب إعلان عودة مصر بثقل سياسي غير مسبوق لمنطقة الشرق الأوسط. من أبرز تلك الأدوار كمثال: النجاح في التوصل إلى هدنتين لوقف القتال في حمص والغوطة بسوريا عام 2017، والنجاح مرات عدة في وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

كذلك فأن توطيد العلاقات مع دول الخليج، والتأكيد على أن أمنها هو جزء من الأمن القومي المصري، ساهم في حفظ الأمن العربي. كما نشط في الوقت ذاته التعاون المشترك مع الدول الشقيقة في الخليج، ورفع استثماراتها بمصر.

كانت القاهرة حاضرة بقوة خلال الأزمة اللبنانية، وحرصت على أن تتطور العلاقات الثنائية مع بيروت، وأن يكون الحضور العربي قويا في هذا البلد الشقيق، وألا تترك الساحة خاوية أمام أذرع خارجية لتنفرد بلبنان وتبتلعه أو تعيق تقدمه.

طورت القاهرة علاقاتها مع الخرطوم، وتنوعت أشكال التعاون المشترك، وبات السودان شريكا قويا لمصر في الضغط على أديس أبابا من أجل التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيل وإدارة السد، بما يحقق مصالح أطراف الأزمة جميعا.

يشرد صاحب القلب المطمئن قليلا بذهنه، ويفكر: لم نوقع اتفاقا ملزما بعد مع إثيوبيا، نعم. حكومة آبي أحمد متعنتة، وخائفة من الاضطرابات الداخلية، أنها تستغل مشروع سد النهضة كورقة رابحة في توحيد الداخل الإثيوبي الممزق، لكن رئيس الوزراء الإثيوبي يعرف حدوده، أنه لا يستطيع المساس بحق مصر في مياه النيل، أنه يدرك أن كل الخيارات مفتوحة لو مس قطرة مياه واحدة من حصة مصر المائية.

في القارة السمراء التي أهملناها طويلا، شكلت القوافل الطبية، والمساعدات المتنوعة، وأشكال متباينة من الدعم والتعاون الثنائي، إضافة إلى الزيارات المتبادلة بين الرئيس المصري والقادة الأفارقة، وفهم السيسي لعقلية الأشقاء من أبناء القارة السمراء  -الذين ينظرون لقادتهم كآباء أو زعماء للقبيلة الكبرى- عاملا مهما في تحسن العلاقات وتطورها بشكل واضح.

جنوب السودان الذي كانت علاقاته مع مصر متوترة قبل نحو 8 أعوام، باتت تربطه صلات قوية بالقاهرة، وأصبح لها دور محوري في إحلال السلام والاستقرار بهذا البلد الذي عانى طويلا من ويلات الحرب.

يعود صاحب القلب المطمئن بذاكرته إلى ما قبل عام 2018، حيث كانت الهجمات الإرهابية في سيناء وأماكن عديدة بمصر، تقع بشكل شبه يومي.

يحدث نفسه قائلا: مع كل هذا المعدل الكبير من العمليات الإرهابية، كان مفهوما بالنسبة لي أن يطلق السيسي العملية العسكرية الشاملة سيناء 2018، لكنني لم أستوعب في ذلك الحين، لماذا نظمت القوات المسلحة المصرية عرضا عسكريا مهيبا في البر والبحر والجو؟

ومن قبل، لم أكن أفهم ما الذي يدفعنا أصلا إلى شراء غواصات وحاملات طائرات، والتعاون مع فرنسا في تطوير زوارق بحرية متقدمة؟ نحن سنحارب مجموعة من العناصر الإرهابية في الصحاري والمدن، فما الحاجة إلى تطوير القوات البحرية على هذا النحو الذي أحدث نقلة كبيرة في تصنيفها العالمي؟

تكشفت الأمور لاحقا، بعد نحو عامين أو ثلاثة، حين بدأت مناوشات من إحدى الدول في شرق البحر المتوسط، وبعدما وقع الرئيس السيسي اتفاقية ثلاثية لترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص، فق.

العرض العسكري المهيب لقواتنا المسلحة مع انطلاق "سيناء 2018" كان فيه رسالة ضمنية لدولة شرق أوسطية، بعدما اكتشفت مصر حقل "ظهر" العملاق الغني بالغاز الطبيعي في تلك المنطقة الثرية بمخزون الطاقة.

وبعدما أدرك رئيس تلك الدولة أنه قد يواجه قوة عسكرية هي الأكبر في المنطقة، كانت لديه خطة بديلة، خصوصا مع سحق قوات التحالف الدولي تنظيم "داعش"، وفرار فلوله من دولتهم المزعومة في سوريا والعراق.

كانت ثمة خطة لنقل هؤلاء المرتزقة عبر البحر المتوسط إلى ليبيا التي تربطها بمصر حدود تمتد لنحو 1200 كيلومتر. لكن القوات المسلحة المصرية كانت قد استعدت لهذا السيناريو قبلها بأعوام، وكانت قطعها البحرية تجوب المتوسط لتمنع تسلسل الإرهابيين.

كما وضع الرئيس المصري خطا أحمرا لا يسمح بتجاوزه وهو سرت والجفرة، وهما مدينتان لو تمت السيطرة عليهما من قبل المرتزقة، فأن هذا يعني أن الشرق الليبي بمجمله قد سقط، ومن ثم يسهل على الإرهابيين التسلل إلى مصر

بعدما أحرق الرئيس السيسي كل "أوراق اللعب" المهمة الخاصة برئيس الدولة الشرق أوسطية، ولم يعد لديه سوى مجموعة من تنابلة "الإخوان" الخبثاء وغير المؤثرين في أي شيء، سوى تقديم العروض البهلوانية المضحكة لسلطانهم، بدأ الرئيس الشرق أوسطي في التودد إلى مصر عسى أن تفتح له بعض النوافذ التي أغلقتها عليه.

يظهر طيف الرئيس أنور السادات وهو يدخن البايب الشهير الخاص به، ويضحك حتى يبلغ صوت ضحكته عنان السماء، يبدو أن قلبه مطمئن على مصر باتت في أيدي سياسي فريد من نوعه.

يفكر صاحب القلب المطمئن: ارتفاع الأسعار وتراجع الجنيه مقابل الدولار، أمر مؤلم لقطاع كبير من المصريين، لكنه مؤقت وسيمر، لأن السيسي الذي نجح في كل ما تذكرته، يعمل في الدخل مثلما يعمل في الخارج.

الطرق والكباري التي تم تشيدها أحيت مناطق كانت معزولة، وسهلت الحركة، ووفرت الجهد، وقللت الوقود المستهلك، وجعلت الدماء تجري في شريان الاقتصاد المحلي لتلك المناطق.

أكثر من 10 مدن ذكية ستضع مصر على خارطة المستقبل. المشروعات التنموية التي تجري في ربوع سيناء، وفي كل جزء من ربوع الدولة، تذكر صاحب القلب المطمئن بالغواصات والزوارق البحرية التي لم يفهم المغزى من شرائها، إلا بعد سنوات.

مشروع القرى المصرية الذي يتضمن تطوير جودة الحياة في 4741 قرية مصرية، يمس حياة المصرين مباشرة، ويقتلع الإرهاب وجماعات الفتن السياسية من جذورها.

ينظر صاحب القلب المطمئن مبتسما إلى معبد حتشبسوت الذي استضاف 500 من أغنى أغنياء العالم، قبل أيام قليلة، للمشاركة في احتفال دار الأزياء العالمية “ستيفانو ريتشي” باليوبيل الذهبي لتأسيسها... ويضحك بصوت عالي متذكرا موكب المومياوات الملكية الفرعونية الذي أذهل العالم وأبرز عظمة حضارة مصرالقديمة. ويتذكر أيضا افتتاح طريق الكباش الذي رنمت فيه أناشيد مذهلة بأصوات ملائكية ولغة مصرية قديمة.

يقول صاحب القلب المطمئن في نفسه: هذا السياسي الاستثنائي العاشق لوطنه لا يفعل شيئا إلا لهدف واضح أمام عينيه، حتى وإن كان بعيدا وعلى مسافة لا نراها نحن في الوقت الراهن... لقد اطمأن قلبي أكثر.