الجاحدون في الأرض!
طُرِدَ زوجى من عمله عام 2020 بسبب تأثر الشركة بجائحة كورونا التى عصفت بالجميع، ولم يجد أى عمل، فقرر العودة لبلده، ولأننى أيضاً أعمل بقيت فى الخليج لأدبر معيشتنا وتعليم الأبناء.. وطرح فكرة استكمال دراسته فى الحقوق ليجد فيما بعد فرصة وظيفية أفضل.
وبدخلى غير الثابت، اجتزت مصروفاته هو وتعليمه، وأبنائه أيضاً، وعاد بعد عامين ليقول لى عليكِ ترك عملك ومشروعك الصغير والعودة للوطن، فلقد وجدت فرصة وظيفية جيدة، ولا أريد منك الاستمرار بالعمل، والحجة: الأولاد يحتاجون رعاية أكثر!!، وظيفتى هذه كانت العمود لهذا المنزل وبقاء الأسرة دون عَوَز وتشتت فكيف لى تركها؟.. لم يستجب وطبَّق ما تعلمه فى الحقوق، برفع عدة قضايا علىَّ فى الخليج وفى بلدنا، وأخذ الأولاد منى وهرب، فطبَّق المقولة حرفياً: «علمته الرماية فلما اشتد ساعده رمانى».
الجاحدون فى الأرض ليسوا فقط أشخاصاً، بل يمكن أن يكونوا بعض الحكومات، ففى الحرب العراقية - الإيرانية، ثمانينات القرن الماضى، فتحت دول الخليج خزاناتها المالية لـ«صدام حسين»، وما لبث أن انتهى من إيران، حتى غزا الكويت، أنكر كل ما قدم الخليج له من دعم، ولم ينعم العراق الشقيق الراحة بعد فِعلته.
وتجد الفارين من حضن دولهم إلى أحضان دول تحمل نفس أفكارهم، يسكنون إليها ويرمون وطنهم بأبشع العبارات ويُحَرِّفون الكَلِم عن مواضعه من أجل أطماع جاه أو منصب، إلا أن الجاحد مثل العطشان يلهث وراء السراب، لن يروى عطشه مهما بَلغ، فالتى تحتضنه الآن ستلفظه متى ما تغيرت السياسات، فالدول متغيرة مواقفها وهذا الثابت فى العلاقات، كما قال رئيس الوزراء البريطانى «ونستون تشرشل» خلال الحرب العالمية الثانية: «ليس هناك عدو دائم ولا صديق دائم، هناك مصالح دائمة».
وقد رأينا الدول كيف ألجمت رموز «الإخوان» وأدواتها الفارة لديهم، وأسكتتهم، وهم كانوا يسبحون بحمدها ويدعونها بأرض الخلافة، أليس هذا الخليفة من قال لكم احترموا وطنكم الأم، ولا صوت يعلو فى بلدى عليها؟! ولكن الجاحد لا وطن له. إن التشوهات فى العلاقات الاجتماعية من أسبابها استخدام المقولات والأمثلة السياسية فى حياتنا اليومية، فصلب السياسة المصلحة وفقط، أما علاقة الأخ بأخيه والجار بجاره، فتراحم وتلاحم وحفظ المعروف وصونه، فلا ينبغى لنا تطبيق مقولة «تشرشل» فى المنزل، ولا نظرية «مكيافيلى» بأن «الغاية تبرر الوسيلة».
فالماديات لا تجعل منك إنساناً أفضل، بل بأخلاقك وسمو فكرك، ولنتذكر دائماً هذه المقولة: «الدرب خلّه سِمح لا تزرعه شوك، يمكن ييجى لك يوم وتمر حافى».