الكردوسي ومنير والوطن
حسناً فعلت «الوطن» بنشر مقال الجميل اللذيذ الواضح الصريح صاحب القلم المختلف محتوى ونكهة وأثراً محمود الكردوسى عن الفنان المتفرد محمد منير. قرأت «كل الأصوات باطلة إلا صوتك» عشرات المرات. وكنت قرأته وقت نشره عشرات المرات أيضاً فى عام 2012.
أحب محمد منير منذ عقود طويلة جداً. وكنت أشترى شرائط الكاسيت بتجميع مصروفى الزهيد وقدر من المساعدة الإضافية من أبى أو أمى أو كليهما. وما زلت أحتفظ ببعضها رغم توافر الأغانى بكل الصور الرقمية الممكنة. لكن كلمات الجميل محمود الكردوسى تزيد هذه الشرائط قيمة ومعنى فى الإبقاء عليها.ولو كان الأمر بيدى لأجريت بحثاً مستفيضاً فى مسيرة وشخصية وعمل كل من محمود الكردوسى (رحمة ونور له) ومحمد منير أمده الله بكامل الصحة والعافية والإبداع.
وبعيداً عن كونهما «صديقى عمر وشقيقى الجنوب جمعتهما جذور وملامح وأفكار مشتركة تنتسب لحضارة وادى النيل العريقة» كما ذكرت «الوطن»، فإن كليهما مبدع فى مجاله، وكليهما حر فى إبداعه، لم يشتر أحدهم قلم هذا أو صوت ذاك، وكليهما تكبّد عناء التعرض -ولو بقراءة أو سماع- لأحكام موزعى صكوك الوطنية والقيم.مواقف الكردوسى ومنير (مع حفظ الاحترام والألقاب) السياسية والوطنية هى ملك لهما وحدهما.
ما تحمله من قناعات سياسية أو ثقافية أو دينية هى ملك لك أنت وحدك، ولا يحق لكائن ما كان أن يتهمك أو يتنمر بك بسببها. أولئك الذين هبوا على أنواع الأثير المختلفة من كل فج عميق وقرروا أن يقسموا أنفسهم بين هيئة محلفين ومدعين وقضاة احترفوا إصدار الأحكام وتوزيع الصكوك على الجميع.
وليت هذا الإصدار وذلك التوزيع يرتكزان على إدراك لماهية الحق فى التعبير وحرية الاعتقاد والاعتناق.حرية اعتقاد الأفكار واعتناق التوجهات لا تتجزأ ولا تتلون بألوان الأهواء والاختيارات. الفنان الجميل محمد منير كان من ضمن ملايين ممن اعتقدوا أن ما جرى فى يناير 2011 كان ثورة وطنية حقيقية آملة فى غد أفضل.
كان من بين كثيرين -وأنا منهم- ممن آمنوا بأن المواطن المصرى العادى منزوع دسم الجماعات الإرهابية هو من انتفض ولجأ إلى الشارع للمطالبة بالحقوق والحريات.غنى منير «إزاى» فى حينها، والتى اعتبرها البعض أنشودة ثورية تمثل مصر والمصريين. الأغنية رائعة.
لكنها تحولت من انعكاس للواقع إلى حلم بما كان ينبغى أن يكون، لكن اتضح أنه أبعد ما يكون عن ذلك.المؤكد أن منير أدرك ذلك تماماً كما أدركه ملايين ممن اكتشفوا ما آلت إليه الأوضاع من هيمنة لجماعات السوس محترفة النخر فى خلايا الوطن.
ولأن الاعتراف بالحق فضيلة، فإن منير وغيره من الملايين التى اكتشفت الخديعة لم تعد تسأل «إزاى» بقدر ما انخرطت فى البحث عن «كيف».. كيف يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوطن؟
اتبع الكردوسى طريقته الخاصة. كتب وقال الكثير عن موقفه مما جرى فى 2011 بعد ما اتضحت الصورة وتم كشف «نقاب» الميدان عن التيار الذى سيطر وهيمن وتغوّل بهدوء كعادة السوس.
وعلى الرغم من أننى لم - وما زلت - أرى أن جانباً ممن شاركوا وقتها فيما جرى لم تحركهم إلا رغبة فى التغيير، وعلى الرغم من أن الراحل الكردوسى لم يخف أو يموه أو يخفف من حدة غضبه تجاه الميدان بعد ما اتضحت الأمور، وهو ما اعتبره البعض مبالغة فى التخوين، إلا أنه لم يحد عن موقفه أو آرائه التى كلفته الكثير.
الكثيرون ممن يعتبرون أنفسهم أصحاب الحق الحصرى فى رفع راية الصواب والحق والخير والعدل، والذين فى الوقت نفسه يحملون راية الحريات والحقوق أعطوا لأنفسهم الحق الحصرى أيضاً، ولكن هذه المرة لتوجيه كل أنواع الاتهامات لكل من عبّر أو اعتنق أو آمن أو رأى الوجه الآخر من الميدان.
الفنان محمد منير نال نصيبه هو الآخر، فبعدما كان «مطرب الثورة» و«عراب التغيير» و«صوت المظلومين» وغيرها، وبعدما أيقن أن ما جرى تحول إلى عملية سرقة ونصب علنيين لهوية وشعب بأكمله، قام حمَلة الصكوك وأصحاب الاحتكارات بطرده من جنة الوطنية ونعيم الحرية.
لو كان الأمر بيدى لدرست الأسباب والعوامل التى تجعل شخصاً أو أشخاصاً ينصبون أنفسهم حكماً و«عشماوى» على آراء غيرهم وتوجهاتهم، فإن اعتنق أحد فكراً غير فكرهم حكموا عليه بالاغتيال المعنوى، وربما التصفية الجسدية فى حال كانوا من حمَلة صكوك الجنة والنار من جماعات الإرهاب الدينى.
كتب الكردوسى عن منير: «هذا الصوت أعلى من قامتى وأسبق منى إلى ثمر الجنة، فأنا مدين لصداه بالوقوف على قدمين ثابتتين: لا خُنت ولا ارتشيت.
لا بعت ولا اشتريت». تحية كبيرة إلى محمود الكردوسى ومحمد منير و«الوطن» ولكل من لم يخُن أو يرتشِ أو يبع أو يشترِ.. ولو اعتنق فكراً مخالفاً أو آمن بتوجه مغاير.