الأولوية للاستثمار من أجل التوطين
شهد العالم عدة أزمات فى الثلاث سنوات الأخيرة، بداية من كورونا، وصولاً إلى الأزمة الروسية- الأوكرانية، وأيضاً قيام البنك الفيدرالى الأمريكى بزيادة سعر الفائدة على الدولار خمس مرات منذ بداية عام ٢٠٢٢ وحتى الآن، حيت أصبحت الفائدة الدولارية ٣٫٢٥٪ بعد أن كانت 0٫25٪، ومن المتوقع أن تزيد أسعار الفائدة الدولارية بالبنك الفيدرالى الأمريكى لتصبح من ٤٪ إلى ٤٫٥٪ مع نهاية عام ٢٠٢٢.
كل هذه العوامل كان من شأنها انخفاض معدل النمو الاقتصادى العالمى ٤٫٩٪، ليصبح ٣٫٢٪ خلال عام ٢٠٢٢، مع توقع انخفاضه، كما أعلن البنك الدولى أيضاً انخفاض حركة رؤوس الأموال (الاستثمارات) على مستوى العالم خلال عام ٢٠٢٢ بنسبة تزيد على ٣٣٪. وثبت أن الاستثمارات غير المباشرة فى أدوات الدين «الأموال الساخنة» كانت غصة فى حلق الدول النامية، حيث نتج عن الخروج المفاجئ لتلك الأموال مع كل أزمة صدمات أثّرت على احتياطيات الدول ومركزها المالى، وأدت إلى تدهور قيمة عملتها، وفى بعض الأحيان عدم إفلاس وعدم القدرة على سداد الديون. فى الاتجاه المعاكس، يأتى الاستثمار الأجنبى المباشر، بما يمثله من أهمية للاقتصاد المحلى، حيث ينقل معه الخبرة الفنية والمعرفة التكنولوجية، بالإضافة إلى توظيف مزيد من العمالة المحلية، والمساهمة فى رفع مستوى الصادرات.
ويتطلب الاستثمار الأجنبى عدداً من العوامل للجذب، أهمها الاستقرار الأمنى والسياسى فى الدولة، بالإضافة إلى الاستقرار الاقتصادى للمؤشرات المختلفة، مثل سعر العملة ومعدلات النمو الاقتصادى والمركز المالى للدولة، بالإضافة إلى البيئة التنظيمية والتشريعية وبيئة الأعمال للدولة، بالإضافة إلى عوامل أخرى، مثل حجم السوق المحلية وفرص التصدير والبنية التحتية وعملت مصر على تهيئة جميع الأصعدة فى السنوات الأخيرة، حيث نجحت فى فرض الاستقرار الأمنى، بالإضافة إلى الاستقرار السياسى والاقتصادى.
وقد استطاعت مصر، خلال السنوات الماضية، ومن خلال برنامج الإصلاح الاقتصادى، وأيضاً رؤية مصر للتنمية المستدامة ٢٠٣٠ أن تخلق بيئة منافسة لجذب الاستثمارات الأجنبية والعربية المباشرة، حيث تم خلال الفترة الماضية إقامة ١٧ مجمعاً صناعياً جديداً أغلبها فى صعيد مصر تحتوى على أراضٍ صناعية مرفقة، وأيضاً مصانع جاهزة للتشغيل وجارٍ تنفيذ ٧ مجمعات صناعية أخرى، بهدف توطين التكنولوجيا الصناعية الحديثة، وكذلك إقامة التشريعات والقوانين التى من شأنها خلق المناخ الاستثمارى المناسب، من خلال إصدار قانون الاستثمار ٧٢ لسنة ٢٠١٦، وقانون ١٥ لسنة ٢٠١٧ بشأن التراخيص الصناعية وتعديلات قوانين الإفلاس وشركات الأموال وغيرها من القوانين، بهدف تسهيل الإجراءات وجذب الاستثمارات.
أيضاً استطاعت مصر خلال السنوات الماضية توفير البنية التحتية من شبكة طرق وتطوير موانئ ومناطق صناعية ومناطق لوجيستية رفعت تصنيف مصر فى تقرير التنافسية العالمية فى قطاع الطرق والبنية الأساسية من المركز ١١٨، لتصبح فى المركز ٣١ عالمياً.
ويتطلب الاستثمار الأجنبى المباشر وجود فرص استثمارية متعدّدة فى كل القطاعات، من الطاقة إلى العقارات، ومن الصناعة إلى الزراعة، والذى كان من أهم العوامل التى لفتت أنظار كبرى الشركات العالمية للعمل بمصر، فالسوق المصرية الكبيرة يجب أن تكون من أهم العوامل التى تجذب مزيداً من الاستثمارات، حيث توفر اليد العاملة الرخيصة، مقارنة بالدول المجاورة، بالإضافة إلى الحجم الاستهلاكى الكبير الذى تمثله.
كما ينبغى على الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، وفى ظل الارتفاع المتوقع فى تكلفة الواردات، أن تتبنى برنامج إحلال محل الواردات، وأن تُحجم عن الواردات غير الضرورية والسلع الكمالية، التى يتوافر لها بديل محلى، وذلك للمحافظة على الاحتياطيات من التآكل وتخفيف الضغط على العملة الوطنية.
* مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية