عازف الأفكار

ياسر خليل

ياسر خليل

كاتب صحفي

أنقذه حبه للموسيقى، وشعوره الفطري بجمالها، من الانحدار بعيدا عن الرقي الإنساني، إلى غياهب جماعة غارقة في الرجعية والهمجية. وحصنه عشقه للفلسفة من تغييب العقل، والاتباع الأعمى دون فحص وتمحيص.               

أفكاره التي "عزفها" في العشرات من كتبه ومحاضراته، لا زالت عصية على الفهم بالنسبة لمن عطلوا العقل، ودمروا الفطرة.

إنها تزعجهم أكثر بكثير من آلة الكمان الساحرة، التي كان يحملها في شبابه الباكر، وكانوا يحاولون إقناعه بحرمانيتها. 

مر عام على غياب المفكر الكبير الدكتور حسن حنفي من بيننا، فقد ارتقى من الحياة الدنيا إلى السماء في 21 أكتوبر 2021 عن عمر يناهز 86 عاما. 

حين انضم حنفي، وهو لا زال في مرحلة مبكرة من عمره، إلى جماعة "الإخوان"، تصادف أن رافقه رجل أكبر منه سنا، وهو سيد قطب. دخلا سويا إلى المركز العام للجماعة، لكن طريقهما لم يكن واحدا أبدا.

الشاب الذي كان يحب الموسيقى، ويعزف الكمان، ويعشق الفلسفة، نجا من أن يصبح فردا في قطيع، وقضى جل عمره يمطر أرضنا القاحلة بالأفكار، ويبحث عن الحلول، ويعلي من العقلانية، ويحذر من النقل دون إعمال العقل.  

أما الرجل الذي مارس السحر والدجل في قريته حين كان صغيرا، وكان يصنع الأحجبة لنساء قريته، وينشر الخرافة والجهل بأرضها، بات جزءا من ذئاب تقود القطيع  مرتدية فراء الحملان. أمعن في تغييب العقل، وأعلى قداسة النقل، وساهم في إزهاق أرواح أعداد لا تحصى من الأبرياء داخل مصر وخارجها. 

تلك المصادفة التي جمعت الشخصيتين المتباينتين داخل "الإخوان" دالة وكاشفة. إنها تشبه وضع الأبيض بجوار الأسود، فيتجلى الفرق بين اللونين، وتوضح لنا أكثر فأكثر معنى "الاختيار" وأثره على حياة الإنسان والمجتمع، وأهمية إعمال العقل، ومدى خطورة تغييبه. 

أفكار حسن حنفي، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، ساعدت "حركة النهضة"، أو كما يطلق عليهم البعض "إخوان تونس"، أعانتهم إلى حد كبير على البقاء في المشهد السياسي التونسي، ولو جزئيا.

في مصر، نجحت أفكاره في أوساط الليبراليين، وترك تلاميذا له في الجامعات المصرية، وفي أوساط الكتاب والمثقفين، لكنها لم تلق آذانا صاغية داخل "الإخوان" أو في أوساط تيارات الإسلام السياسي، فاحتقار العقل، وتقديس النقل، ضارب بجذوره بينهم بصورة يستعصي معها أن تستمع آذانهم الصماء لعازف الأفكار.