ارفع رأسك يا أخي
عند مقابلتى لأشخاص من دول عربية مختلفة، خصوصاً شمال أفريقيا، أجد صعوبة فى فهم لهجتهم، وهم كذلك يستصعبون اللهجة الإماراتية، فيكون الحل السريع التحدّث بـ«المصرية»، لمعرفتنا بمفرداتها وأمثالها وحتى نكاتها، فالسينما المصرية جعلت لهجتهم، هى القاسم المشترك بين أقطاب المجتمع العربى، وجمعات الأنس ومصدر المعلومة من صحفها، وأدبها فى مناهجنا التعليمية.
عرفت من خلال رحلاتى لدول شرق آسيا بأنهم يتبعون مناهج وفتاوى «الأزهر الشريف»، وحتى تقليد أصوات أشهر القارئين كـ«المنشاوى وعبدالصمد»، فيُعتبر الأزهر والسينما المصرية أبرز سمات «القوى الناعمة» لمصر فى تصديرها لثقافتها وعلومها وسماحتها إلى بقية الأقطار.
الجميع مصرى فيها، زوارها الأجانب والطلبة الوافدون وحتى اللاجئون، ترى السائح يرتدى الجلباب، وطلبة الأزهر الآسيويين يتحدّثون العربية بلكنة مصرية، وكذلك اللاجئون فيها مختلفون عن أى لاجئ فى الدول الأخرى، ليسوا فى مخيمات، ولا مبانٍ خاصة بهم.. موجودون كالمصريين تماماً، وشجعوهم على الكسب من أيديهم، فسترى المطاعم اليمنية منتشرة بجلساتها الأرضية وصحون «المندى والمظبى»، وتجد الحرفيين السوريين فى النقش وأعمال الديكور والمطاعم الشامية المتعدّدة، فالقالب غالب فى مصر، تجعل الجميع يشرب من نيلها وينشد أغانيها الخالدة، ورغم أن تعداد سكانها يتجاوز 104 ملايين نسمة، ألا أنها ما زالت تستوعب أكثر من 9 ملايين لاجئ فيها، وانخراطهم فى نسيجها دون تمييز، وقد كتب على جميع منافذ دخولها «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».
يبلغ عدد سكان دول الخليج العربى 57 مليون نسمة، ولا أعتقد أن أحداً منهم لم يصادف «مصرياً» فى مراحل حياته، معلماً يؤدبه وطبيباً يضمّده، أو حرفياً، أو حتى مصرى صنع له معروفاً ليجعل حياته أفضل.
منذ «عاشق مصر الأول» الشيخ زايد، طيب الله ثراه، والإمارات كبقية الدول العربية تعتبر مصر «البيت الآمن» لكل العرب، ومستودع القرارات باحتضانها جامعة الدول العربية، وإدارة الملفات الحاسمة لعدد من الأزمات التى عصفت بدولنا العربية.
يقول بعض السذج إن الأزمات التى تمر بها مصر الآن لن تستطيع أن تنهض منها، وإن إخوانها العرب تخلوا عنها، و«الرز» لم يعد موجوداً.. وهنا أسرد بعض الأرقام تفاخراً بنتائج إخوتنا كإماراتيين مع أختنا الكبيرة مصر، بأننا ثانى أكبر شريك عربى، والخامس عالمياً، حيث بلغت التجارة البينيّة خلال 2022 فقط، 3.83 مليار دولار، وأن العطاء مستمر فى جميع النواحى بين الشعبين الشقيقين، فحب مصر من الإيمان لدينا.
من بنى الأهرامات وظلت شامخة 7000 سنة، سيُبهر العالم بصموده وأنه قادر على بناء شموخ جديد بهمة شعبه آلافاً أخرى من السنين، ومن يتوهم بضعف «صمام العرب»، لم يقرأ التاريخ، فمصر «ولّادة» وصانعة رموز فى جميع المجالات على مر التاريخ، وأستذكر كلمة الرئيس جمال عبدالناصر: «ارفع رأسك يا أخى».. طالباً من المصريين بأن يرفعوا أبصارهم إلى الأعلى، افتخاراً بدولة فى مقدمة سفينة الحضارة.
ونحن اليوم فى عيد وفرح بمناسبة الاحتفال بـ50 سنة من العلاقات الإماراتية - المصرية، وشعارنا «قلب واحد».. عرفاناً ومحبة لهذا الشعب العظيم.
أخى المصرى الحبيب، أختى المصرية العزيزة: نحن معكم سنداً إلى قيام الساعة.