إيران.. والمنعطف الخطير
تشهد إيران في الأوقات الراهنة عاصفة من الاحتجاجات والتظاهرات التي اتخذ بعضها منحى عنيفاً، ليسفر عن مقتل المئات واعتقال الآلاف من المتظاهرين، وقد صنفت وسائل إعلام عالمية تلك الاحتجاجات بأنها خطيرة، وربما تكون الأقوى منذ اندلاع الثورة الإسلامية في العام 1979.ربما لا توجد دولة في العالم لا تعرف المشكلات أو تخوض الصراعات أو تواجه التحديات؛ ومع ذلك فإن درجة الرشد التي ينطوي عليها الحكم يمكن أن تكون العامل الأهم في حسم تلك المشكلات وتجاوزها، بالشكل الذي يُبقى الدولة آمنة مستقرة ومواطنيها في رفاه.الأمر يبدو مختلفاً في منطقتنا، ومع التسليم بأنها منطقة ذات وضع خاص، على صعد التنمية والأمن والتطور الديمقراطي، فإن أداء الحكومات "غير الرشيدة" يبدو أهم عوامل الخلل والصراع، وهو خلل تدفع أثمانه الشعوب.تنطلق موجة الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران حالياً من مظالم موضوعية، لكن مرشد الجمهورية خامنئي يلقي باللوم على "أعداء البلاد"، ويتهمهم بإشعال تلك الاحتجاجات.قادة الحرس الثوري أيضاً يؤكدون ذلك؛ فهم يعتقدون أن النظام مستقر، وشعبيته كبيرة، وإنجازاته عظيمة، لكن دولاً مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وجماعات معارضة للنظام، تحرض ضد الدولة، وتبث الدعايات الكاذبة لتقويض الثقة فيها.الأمر ذاته تتفق عليه المؤسسات السياسية الإيرانية المؤثرة في صنع القرار؛ التي ترى أن واشنطن ولندن وبعض العواصم الخليجية "المعادية" تتحالف مع جماعات معارضة ذات أجندات سياسية، من أجل تأجيج الاضطرابات في البلاد.من يتابع وسائل الإعلام الإيرانية، ويحلل مضامين الخطاب السلطوي في التعليق على الاحتجاجات التي تتفاوت حدتها بين يوم وآخر، يلحظ هيمنة "نظرية المؤامرة" على مفردات هذا الخطاب، إلى حد أن الرئيس الإيراني الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي نفسه حذر في تصريح أدلى به قبل أيام المحتجين من تنفيذ أجندة قوى دولية لا تريد الخير لبلاده.أنا أصدق النظام الإيراني حين يقول إن ثمة من يتآمر على إيران، وإن الاحتجاجات التي تشهدها البلاد راهناً تجد من يغذيها ويستثمر فيها ويحرض عليها، وإن ثمة انحيازاً واضحاً في التغطية الإعلامية الإقليمية والدولية لتلك الاحتجاجات، بشكل قد يبالغ في حدتها وأثرها، ويستهدف تأجيجها وتسليط الضوء عليها.لكنني لا أصدق النظام حين يعتقد أن تلك الاحتجاجات كان من الممكن أن تندلع بسبب هذا الدعم الخارجي ونزعة التآمر فقط، أو أنها يمكن أن تستديم من دون ذرائع داخلية حقيقية نابعة من عجز النظام وأخطائه وطبيعة المجتمع وتطوره.لطالما كان ضبط الجمهور وتوقع غضبه وتفاديه من فضائل النظم الرشيدة، وهذا تحديداً ما أخفق فيه النظام الإيراني الراهن ثلاث مرات حتى الآن على مدى نحو أربعة عقود، إذ اندلعت الاحتجاجات في 1999 فيما عُرف بـ "انتفاضة الطلاب"، ثم في 2009 بسبب دعاوى عن "تزوير" الانتخابات الرئاسية، ثم نهاية 2017، بسبب مصاعب اقتصادية، وضجر من الانغلاق السياسي وسوء إرساء الأولويات، وللمطالبة بالحريات.على النظام الإيراني أن يعي أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تُثَور الجمهور في كندا، أو تمول احتجاجات في نيوزيلندا، أو تخلخل الحكم في تشيلي، أو تقوض الثقة الشعبية في النظام الدنماركي، حتى وإن أرادات، ومثلها بالطبع بقية الدول الغربية، ودول الخليج العربية، مهما كان قدر الأموال التي تمتلكها.وببساطة شديدة، فإن السلوك الإقليمي والدولي الإيراني، وبعضه قائم على التوسع والتدخل في شؤون الغير، يخلق عداوات لنظام طهران، وبسبب تلك العداوات تجتهد نظم عديدة في الضغط على هذا البلد ومحاولة إرباكه، عبر تدابير قد تتخذ أشكالاً تآمرية، لكن تلك المؤامرات والضغوط لم تكن لتثمر من دون قابلية للاستهداف، سببها الرئيس البنية التقليدية المنغلقة للنظام، وتوجهه الأيديولوجي الديماجوجي، وسياساته التوسعية، وتفشي الفساد به، وعدم قدرته على تلبية احتياجات الشعب.لقد انطلقت الاحتجاجات الراهنة في إيران من دوافع بدت للوهلة الأولى ثقافية واجتماعية ومتصلة بحقوق الإنسان، ورغم أن البعدين السياسي والاقتصادي يصعب تجاهلهما بطبيعة الحال، فإن رمزية التخلي عن الحجاب التقليدي، والتنديد بوفاة الشابة مهسا أميني بشكل ملتبس أثناء احتجازها من قبل شرطة الآداب، لارتدائها "حجاباً غير لائق"، واستهداف رجال الدين وسلطتهم، كانت كلها عناوين أساسية في الكثير من تلك التظاهرات التي عمت مناطق مختلفة في البلاد.ورغم أن إيران أمة عظيمة، ذات تاريخ باهر، وموارد ضخمة، ووضع جيوستراتيجي مهم، فإن ثلث شعبها يعيش فقيراً في عشوائيات، ويخرج كل عام إلى سوق العمل ملايين الشبان الذين لا يجدون فرصاً سانحة، فيما تُنفق مليارات الدولارات على مشروعات التوسع والهيمنة السياسية في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن.والشاهد أن أي دولة تتضارب مصالحها الإقليمية أو الدولية مع منافسيها يمكن أن تحظى بأعداء يسعون إلى إرباكها وزعزعة الاستقرار بها عبر دعم وتمويل "ثورات" أو "انتفاضات"، لكن الدولة التي تخفق في فهم احتياجات شعبها، وتلبيتها، عبر إرساء أولويات منطقية لإنفاق الثروة، وفتح المجال العام لتدافع يفضي إلى سياسات رشيدة، وضمان منافسة سياسية نزيهة وعادلة، وفهم تطلعات الشباب واستثمار طاقاته، ستكون أكثر قابلية للاستهداف والتأثر بمؤامرات الأعداء.