مصطفى عبداللاه يكتب: التغيرات المناخية.. خطر عالمي يمكن تحييدهُ

كتب: رنا حمدي

مصطفى عبداللاه يكتب: التغيرات المناخية.. خطر عالمي يمكن تحييدهُ

مصطفى عبداللاه يكتب: التغيرات المناخية.. خطر عالمي يمكن تحييدهُ

تتوقع مجموعة من التقارير العلمية الدولية أن تتسبب الغازات الدفيئة المنبعثة من مختلف الأنشطة البشرية، في ارتفاع متوسطات درجات حرارة الكرة الأرضية خلال العقود الثمانية القادمة بنسبة 55% تقريباً، ليصل متوسط الارتفاع الإجمالي في درجات حرارة الكوكب إلى نحو 4.5 درجة مئوية بحلول عام 2100.

تأثرات بيئية متعددة

ومن المنتظر أن يتسبب ارتفاع درجات الحرارة الكونية في مجموعة من الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعهودة، أولها ارتفاع درجة الحرارة خلال أغلب شهور العام، إضافة إلى زيادة عدد الموجات الحارة، والتي ستؤدي إلى انتشار الحرائق البرية، وأيضًا ذوبان الجليد القطبي؛ لينعكس ذلك على دمار مساحات واسعة من الأرض أو إغراق مساحات أخرى.

كما ستؤدي حرارة الكوكب إلى تبخر المزيد من مياه المحيطات، وهو ما سيساعد على زيادة السحب المتكثفة؛ ليؤدي ذلك إلى زيادة نسب هطول الأمطار وما يتبعها من فيضانات كاسحة، فيما يساهم دفئ مياه المحيطات في زيادة أعداد الأعاصير والعواصف الاستوائية.

ومن المتوقع أن يساهم ازدياد درجة حرارة الكوكب، في تنامي أزمة نقص المياه بالمناطق القاحلة، فضلاً عن تعريض المناطق الزراعية الخصبة لحالة من الفقر أو الندرة المائية، فيما ستتعرض ملايين الافدنة من أرض الكوكب لخطر التصحر، نتيجة لتنامي أعداد العواصف الترابية القادرة على تحريك مليارات الأطنان من الرمال على امتداد قارات العالم.    

ويُنتظر أن تهدد الحرارة الزائدة للكوكب خلال العقود المقبلة، بقاء الآلاف من فصائل الكائنات البرية والبحرية على حدٍ سواء، لعدم قدرة تلك الكائنات على التكيف مع مختلف مظاهر تغير المناخ من حولها.

الإنسان هو أكبر المتضررين

تؤكد جميع التقارير العلمية، أنّ الإنسان سيقع على رأس قائمة المتأثرين بتبعات التغير المناخي، فعمليات إنتاج الغذاء العالمي سواء بالزراعة أو الصيد البحري أو تربية الماشية والدواجن لن تكون سهلة كما كانت قبلًا، وهو ما سينعكس بدوره على محدودية كميات الأغذية المتوفرة؛ ليؤدي ذلك إلى سوء تغذية الشعوب أو قوعها تحت خطر المجاعات، فيما ستنشب حروب دامية بين الدول من أجل السيطرة على مصادر مياه الشرب النقية والمواقع الصالحة للرعي والزراعة وحتى المصايد السمكية.

كما سيعاني الجنس البشري من مجموعة من الأمراض المزمنة، مثل أمراض الصدر والجلد نتيجة لتلوث الهواء، وأمراض العظام وفقر الدم وضعف النظر نتيجة لسوء التغذية، وسيؤدي ذلك إلى إثقال كاهل المنظومات الصحية بكل دول العالم، وهو ما سيتسبب في إفشال مساعيها؛ لتحسين الصحة العامة للشعوب.

فيما ستتضافر عوامل التغير المناخي المتنوعة؛ لتتسبب في هلاك الملايين من البشر سنويًا، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنّ متوسط عدد ضحايا مظاهر التغيرات المناخية يبلغ نحو 13 مليون فرد كل عام، وستشهد السنوات المقبلة تزايدًا مضطردًا في تلك النسبة نتيجة لازدياد حدة ازمة المناخ.

وستسهم تلك الظروف المتشابكة في معاناة البشرية من حالة فقر شاملة، وهو ما ينذر في أسوء السناريوهات - لا قدر الله- باحتمالية زوال الحضارة البشرية الحديثة.

حلول مطروحة

تتنوع الأفكار المتداولة عالمياً حول كيفية معالجة قضية تغيرات المناخ، لكن أغلبها تتفق حول ضرورة تضافر الجهود من أجل نجاح ذلك الهدف، على المستوى الأفقي لمختلف الدول، وأيضا على المستوى الرأسي داخل الدولة الواحدة.

وتتم المعالجات الأفقية للقضية من خلال تفاهم الدول حول شكل السياسات الدولية الواجب اتباعها بهدف إعادة التوزان للمناخ والبيئة العالميين، ويتمثل ذلك حاليًا في صورة الاتفاقات الدولية كاتفاقية كيوتو 1992 واتفاق باريس 2015، إضافة إلى عقد القمم العالمية التي يتناول فيها الخبراء وأصحاب القرار والسياسيين طموحاتهم وإنجازاتهم، وأيضًا تحدياتهم المتعلقة بأهداف صيانة المناخ والبيئة العالميين، ومن أبرز أمثلة تلك القمم حالياً مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ COP27.

أمّا المعالجة الرأسية لقضية المناخ فنجدها في مختلف الخطط والقرارات والقوانين التي تصدرها الأجهزة الحكومية لتنظيم وترشيد التعامل مع البيئة من قبل مؤسسات الأعمال، وأيضا المواطنين داخل حدود الدولة، ونأخذ منها مثالاً الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر لعام 2022، والتي استهدفت تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومنخفض الانبعاثات، وتحسين حوكمة وإدارة العمل في مجال تغير المناخ، بالإضافة الي تعزيــز البحــث العلمــي ونقــل التكنولوجيــا وإدارة المعرفة ورفع الوعي لمكافحة تغير المناخ.

كما تعتبر المجتمعات المحلية عنصراً أساسيا في عملية معالجة قضية المناخ، فالتشريعات الحكومة والاتفاقات الدولية لا يمكن تحقيقها وتنفيذها دون وعي الشعوب وإدراكها لأهمية وخطورة ملف التغيرات المناخية، لذا تسعى الدول الواعية بهذه القضية إلى دفع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية من أجل المشاركة في توعية المواطنين والنشء من الأجيال الجديدة بأبعاد تحدي التغيرات المناخية، وكيفية مشاركة كل مواطن منفردًا أو في إطار نطاقه المحلي في عملية تنفيذ خطط وتوجهات الاستدامة المختلفة التي من شانها تخفيف معاناة بيئتنا الكونية.  

باحث ببرنامج السياسات العامة بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية


مواضيع متعلقة