أيام «عادية»
تستيقظ بدون منبه. تتناول قهوتك بلا عجلة. تشرد طويلا في استرخاء دون تفكير في شيء معين. تحتضنك ملابس المنزل وتربت عليك بحنان.
يزقزق لك عصفوران على حافة النافذة.
تتناول إفطارا ساخنا معد لتوه وليس منذ الصباح الباكر، يتوسد طبقا وليس كيسا بلاستيكيا ولا صندوق بارد المشاعر لحفظ الطعام. تستمتع بدفء الفلافل ولذة البيض المقلي رغم ارتفاع سعره، ويطربك خرير الشاي بالنعناع وتراقصه أثناء هجرته من الإبريق إلى فنجانك المفضل .
تصدر فجأة تعليمات مجهولة المصدر لعقلك - والغريب أنه يرضخ - بالتوقف عن التفكير في المتطلبات والمشكلات، أن يرحمك من التفتيش في الأعماق والذكريات والأحلام، وماحدث وما لم يحدث، ومن بقي ومن رحل، سواء بكامل إرادته أو بأوامر سماوية لا حيلة فيها ولا مرد.
تتجاهل الانشغالات والارتباطات وقوائم المهام، ولو ليوم واحد، وتقرر ألا يعكر صفوك شيء. يتضامن معك ضيرك فيصاب تأنيبه المعتاد بالشلل، ويتعاون معك جرس الباب والهاتف فيصابان بخرس مؤقت محبب إلى النفس أحيانا.
تجلس تحت أقدام والديك، تنهل ظلهما، أو من أنعم الله عليك ببقائه منهما، أو تستمتع بخفة ظل أولادك، في جلسة منتظرة طويلا لا تشوبها مشادات الانتهاء من الواجب أو ترك الأجهزة الإلكترونية، أو ربما تتونس بنفسك في هدوء، تحتضن قلبك في رضا، وتتنفس صفاءاً. تتلبسك حالة من السعادة دون سبب محدد.
ترضى فجأة عن الناس، كل الناس، وتحب جميع الأشياء، وتستمتع بأبسط الأشياء. تكرر حمدك لله على كل ما أنعم به عليك. لكم اشتقنا لأيام "عادية"، أو ربما ظنناها كذلك.
اشتقت أنا لها كثيرا، فهل اشتقت مثلي؟