السراب الأزرق
بدأ موقع التغريدات القصيرة "تويتر"، اليوم الاثنين، إطلاق خدمته المدفوعة "تويتر بلو" بسعر 11 دولارا للمشتركين عبر "أي فون"، و8 دولارات للمنضمين من خلال الموقع مباشرة.
تحويل عملية توثيق الحسابات والحصول على العلامة الزرقاء، إلى خدمة مدفوعة، كانت فكرة مستحدثة، تكلم عنها المالك الجديد لـ"تويتر" إيلون ماسك، بعد استحواذه على الشركة في نهايات شهر أكتوبر الماضي، في صفقة شهيرة، بلغت قيمتها 44 مليار دولار.
يدرك أغنى رجل في العالم خفايا اللعبة النفسية التي تتربح منها شبكات التواصل الاجتماعي، لذا قرر أن يستفيد منها، ويشتري موقع التدوينات القصيرة، بمبلغ ضخم، ربما يتجاوز قيمته الحقيقية، حسب تصريحات له هو شخصيا، قبل أن يتم صفقته.
يعلم ماسك جيدا أنها صفقة رابحة: فبجانب المحتوى الذي ننتجه طواعية (نحن مستخدمي مواقع التواصل)، كأننا "فلاحين" مخلصين يعملون ليل نهار في أرض لا يملكونها، نظير إشباع احتياجات نفسية، أو اجتماعية، أو مهنية ضئيلة، فأنه يدرك أن بمقدوره أن يطلب اشتراكا شهريا، تفوق قيمته الكثير من الخدمات المفيدة عبر الإنترنت، مقابل علامة زرقاء لا تعني شيئا حقيقيا بالنسبة لحامليها، سوى أنها تشعرهم أنهم "لوردات" وسط "الفلاحين" الكادحين.
وما يوضح أن ماسك يفهم تلك اللعبة النفسية جيدا، تغريدة نشرها يوم 1 نوفمبر الماضي، أعلن فيها عن تلك الخدمة المدفوعة.
قال رجل الأعمال الأمريكي في تغريدته: "نظام اللوردات والفلاحين الحالي على تويتر لمن لديه أو ليس لديه علامة زرقاء، هراء. القوة للشعب! العلامة الزرقاء مقابل 8 دولارات شهريًا".
الجزء الأخير من هذا التصريح يتعارض مع قاله ماسك قبل الاستحواذ على المنصة الاجتماعية، فقد تحدث عن أهمية امتلاك شبكة تواصل حرة، وأكد أنها سيكون لها تأثير في الحضارة الإنسانية، وأنه غير مهتم بالجوانب الاقتصادية لها.
لكن الأفعال لا الأقوال هي التي توضح النية الحقيقية من استحواذ ماسك على المنصة، إنه يبيع للناس "سراب أزرق" مقابل رسوم شهرية، لا يستطيع "الفلاحون" دفعها، خصوصا إذا كانوا من بلدان فقيرة. لقد بدأ الخدمة في عدد من البلدان الغنية مثل أمريكا، وكندا، وبريطانيا، واستراليا، حتى يحفز مشاعر الرغبة في التميز عند سكان العالم الثالث، وبعدها ستتاح لهم، وسيقبل عليها الملايين منهم.
انتقد رجل الأعمال نظام "اللوردات والفلاحين" الذي كان "تويتر" يعمل به، وكشف مسؤولون بالشركة بعد امتلاك ماسك لها عن أن عملية التوثيق منحت الثقة في صفحات شخصيات وشركات مزيفة، حصلوا على العلامة الزرقاء دون تدقيق في هوياتهم الحقيقية، لقد وصفها بأنها "هدية للمحتالين"، ثم أعلن أنه سيقدم "الهدية" ذاتها مقابل المال.
لا النظام القديم يضمن أن تكون الصفحة موثوقة، ولا النظام الجديد يضيف شيئا جديدا، هو فقط استغلال لرغبة في التميز، للحصول على مزيد من الدولارات. فكلا النظامين لا يتحقق بالقدر الكافي من شخصية من يمنحهم العلامة الزرقاء، ولا يضمن مطلقا أن يكون المحتوى المقدم موثوقا به... وهذا هو الأمر الأكثر أهمية.