تهمة ازدراء «المنطق»
شعبنا يؤمن أنه مؤمن، يعتقد أنه «يعرف ربنا»، يغرق المصريون في طوفان من الاستشهادات القرآنية أو الإنجيلية، ولا يخلو حديث من العبارة الشهيرة «تصدق وتؤمن بإيه؟» والإجابة المسجلة التي يجيبها حتى الكافر واللا ديني «بالله طبعا».. مجموعة من الثوابت، الخروج عنها محاولة لاستجلاب ما لا يُحمد عقباه، من تهم واتهامات ازدراء الأديان، في حين أننا أولى بسن عقوبة أشد قسوة لجرم لا يوجد قانون يجرمه حتى الآن يمكن الاصطلاح على تسميته بـ«ازدراء المنطق».
قبل سنوات طوال، رددت قَسما مِهنيا مع عشرات من زملائي الصحفيين، في التقليد السنوي الذي تعقده نقابة الصحفيين ووفقا للمادة 74 من قانون رقم 76 لسنة 1970، القانون الذي أنشئت به النقابة، فإن اليمين ملزم لممارسة المهنة، ونصه: «أقسم بالله العظيم أن أصون مصلحة الوطن وأؤدى رسالتي بالشرف والأمانة والنزاهة وأن أحافظ على سر المهنة وأن أحترم آدابها وأراعى تقاليدها».. كلما تفحصت نص اليمين الذي وقفنا نؤديه بألسنتا أمام الله، وأمام أساتذة وشيوخ المهنة، كلما أيقنت أن ثمة هوة بين ما ينطق به اللسان، وبين ما يعمر به القلب والعقل.. وكلاهما يؤدي إلى الآخر.
1998.. كان عاما مليئا بالفضل، أول موضوع يحمل اسمي، صحيح لم يحملني المجموع إلى الإعلام، لكنني اخترت طريقا أطول يصل إليها عبر «دار العلوم»، مهنيا هما الأقرب لبعضهما ولمهاراتي، جغرافيا تقابل كل كلية الأخرى، في الموقع والفكر أيضا.. ثمة استنارة ظهرت في بعض محاضرات الكلية العريقة التي تحمل كنوز اللغة العربية.. وتعقيداتها، تيار بدأ ينمو يحارب الصبغة السلفية والإخوانية، أو خليطهما الذي سيطر على الطلبة والكلية لعقود، خرجت من دار العلوم بعلم صادق، مهَّد لي طريق الوصول للحلم الحقيقي، وبقناعات أولها: القرآن نص تحمله القلوب، حين يتحول إلى كتاب يوضع تحت الوسادة أو يزين الصدور للتبرك أو التحصن، فقد أهانه أصحابه وفعلوا فيه فعل الكافرين به.. لا قيمة لمصحف لا تفتحه وتعمل بما جاء فيه، بل لا قيمة لآية ترددها ولا تطبق نصها، سواء كانت قرآنا أو إنجيلا أو توراة.
لست وحدي التي أديت القَسَم، شاركني وسبقني وتلاني مئات بل آلاف من الصحفيين، وغيرنا من أبناء المهن الأخرى، أطباء ومحامين وقضاة وضباط، لكل فئة قَسمها، ولكل قَسم نتائجه، ممارسة المهنة حين الالتزام، والعقوبة الجنائية أو الإدارية حين المخالفة.. لكنها كلها مجرد نصوص فضفاضة لا تعطي معايير للالتزام، ولا تحدد نقاطا للمخالفة، فلماذا نقسم؟
رأيت بعيني أمثلة كثيرة خلال سنوات الممارسة التي قاربت على الربع قرن، وخلال سنوات العضوية التي قاربت على 15 عاما لصحفيين شباب وكبار، وما زالوا يمارسون المهنة للعلم، خالفوا بعناد وقصد نص اليمين المهني الذي أدوه أمام الجميع، رأيتهم وهم يبيعون الوطن، ويتقاضون ثمن بيعتهم، ولا يحترمون سر المهنة، يقدمونه لحاملي سيف المعز وذهبه، خوفا من السيف أو طمعا في الذهب، كلاهما سواء، يحرقون الوطن بكتابات موجهة، وظهور تليفزيوني مأجور، ولا يراعون آدابا ولا تقاليد، ولا أعتقد أنهم كانوا يعلمونها من الأساس وقت أداء القسم، فالحياة تعلمنا وبقسوة أحيانا، لكنها لا تربينا ولا تعلمنا قيما لم نتحصل عليها في بيوتنا.. إذن لماذا نقسم قبل ممارسة المهنة.. أي مهنة؟.. لماذا نربط أداءنا بيمين؟، لو كان من الفرض، فلماذا لا يلتزم به الجميع، الصنايعية والأرزقية والمدرسون والطهاة والسائقون وأصحاب كل أنواع المهن، حتى ربات البيوت في المنازل، ولو كان من الفضل، فلماذا يكتب على بعض دون البعض؟
لماذا لا نؤسس ليمين جديد، ليس مهنيا، لكنه أسمى وأرقى، يمين يؤدى في سن الرشد، لكل من بلغ السن القانونية، أو جاء لاستخراج بطاقة هوية، أنحاسبه بالقانون على فعله، ولا نلزمه بما يجب فعله؟.. ماذا لو اصطلحنا على تسميته بقسم «المواطنة»، نعم نحتاج أشد الاحتياج إلى هذا القسم، لو عرف المرء معنى المواطنة الحقيقية، حقوقه وواجباته وقبلهما حدوده، لو أدرك أن هذا القَسم هو بوابة حصوله على الجنسية، على العمل، على الحقوق التي يكفلها الدستور والقانون، ربما –وكلي ظن حسن- أن شيئا ما سيتغير، أن مواطنا مختلفا سيتربى على قيم لن نجد معها كاتبا يبيع وطنه رغم قَسمه المهني، ولا طبيبا يتاجر في البشر، ولا محاميا يستخدم القانون الذي أقسم على حمايته لتبرئة تاجر مخدرات أو قاتل.. ربما لو مددنا الخط على استقامته لن نجد صفحة حوادث الجناة فيها من أصحاب المهن الرفيعة.