لم أصر صوفيًا.. لكنني أحببت جدي
- الصوفية
- التصوف
- امام احمد
- مقالات امام احمد
- مقالات رأي
- الصوفية
- التصوف
- امام احمد
- مقالات امام احمد
- مقالات رأي
بدأتُ رحلتي مع القراءة في المرحلة الإعدادية، ثم زادت علاقتي مع الكتب محبةً في المرحلة الثانوية. في هذه الفترة من عمري، قبل نحو عشرين عامًا، قرأتُ أدبًا وشعرًا وكتبا سياسية عربية ومترجمة، لكن من بين كل ذلك كنتُ أكثر تأثرًا وشغفًا بفرعين من الكُتّاب والكتابة: التصوف، والفلسفة.
قرأتُ لابن عربي والحلاج والنفري والشاذلي وأبي العباس والشبلي والسهرودي وواصل ابن عطاء وابن عطاء الله السكندري. وقرأتُ جنبًا إلى جنب للفلاسفة القدامى: سقراط وأفلاطون وأرسطو، حتى فلاسفة التنوير: كانط وديكارت وفولتير وروسو، وصولاً إلى مهرجي ما بعد الحداثة: دريدا وفوكو ونيتشه وسارتر.
لفترة من الوقت، بدا لو أنّي أحمل ذائقتين مختلفتين، حتى انتصر عقلي للفلسفة والفلاسفة.. لكنَّ قلبي انتصر لجدي.
كان لي جدًا اسمه محمد حلمي، أو الشيخ حلمي كما كان يُنادى عليه. كان طيبًا مباركًا، هكذا أحسبه. كان جدًا لي، ولأخوتي، ولأبناء العائلة، ولكل أبناء الحي.
حفظَ جدي كتاب الله وحفّظه لأجيال. كان كثير الذكر، مقيم الليل، بشوشًا. خدم بالقوات المسلحة صغيرًا، ثم سلك في طريق الزاهدين. كان في شبابه يذكر مع عدد من المتصوفة، فلما سار به السن صار يذكر الله وحيداً على فراشه.
كان الشيخ حلمي صوفيًا بالممارسة.. وليس صوفيًا بالقراءة والبحث والاطلاع. قرأت قولاً لأبي بكر الكتاني، أحد أعلام الصوفية، يقول: «التصوف خُلق.. فمن زادك تصوفًا؛ زادك خُلقًا». ما قرأته، رأيته في حياة جدي. فلم يسء لأحدٍ قط، ولم يرد إساءة بإساءة قط.
في مشاجرة قديمة أتذكرها، كان جدي يجلس على الأرض، وصل إلى أذنيه سبابه، لم يلتفت ولم يبد ردة فعل. سألته أمي فاطمة، وهي غاضبة تستنكر ما عليه: «فلان بيشتمك.. مش هترد يا شيخ حلمي»، فأجابها غير مكترثٍ: «والله يا بنتي لو حطوا فوق راسي تراب، همسح التراب، وادعيلهم». لم يعجبني رده وقتها، رأيته نوعًا من الضعف وقلة الحيلة، لكن حين كبرتُ؛ فهمتُ.
أحب جدي الناس، كل الناس، وأحب الحيوانات أيضًا. لم يكن جدي عضوًا في جمعية للرفق بالحيوان، لكنه كان يحرص على طعام القطط كما يحرص على طعامه. رأيته يشرب اللبن من «الكوب الأولومنيوم»، ثم يترك نصفه للقطط، تشرب من نفس ما يشرب. ورأيته يخصم من رغيفه قطعًا صغيرة يلقيها لكل قطة تمر أمامه.
لم ألحق بجدي شابًا، لم أشاهد معه مباراة أو فيلمًا، لكنه كان في كبره خفيف الظل، رحب الصدر، يضحك مع الأطفال، ويلعب معهم بعصاه التي يتكئ عليها. عندما كان الأطفال يشاهدون الشيخ حلمي قادما من بعيد، كانوا يتجمعون حوله ويلعبون معه ويقضون وقتًا مرحًا في حضرته حتى يصل إلى عتبة المنزل.
حضرت لحظاته الأخيرة، كانت قد تاهت من ذاكرته أسماء من حوله، لكن آيات سورة «يس» لم تته. في لحظاته الأخيرة كان يرتل من «يس» بصوت منخفض، يتمتم، وهدأت التمتمة شيئًا فشيء، ثم ابيضت عيناه وابيض وجهه ولفظ نفسه الأخير.
كان ذلك في منتصف الليل، فأدرنا الراديو على إذاعة القرآن الكريم.. كانت المفاجأة التي يعتبرها البعض صدفةً، ويعتبرها من سلك طريق جدي كرامةً. بدأت الإذاعة من حيث سكت جدي، عند نفس الآية من نفس السورة التي كانت محببة له، ويرتل بها دائمًا، حتى آخر نَفس.
مات الشيخ حلم.. لم أصبح مثله، لكني أحببته، وأحببت من كان فيه من جدي شيئًا.