«الحرب السيبرانية» هل تتطور لنووية؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

عاشت الولايات المتحدة يوماً عصيباً ومرتبكاً بعد تعرُّض مطاراتها لعطل غامض بأنظمة الحاسوب، ما أدى إلى تأخير رحلات الطيران فى جميع أنحاء الولايات المتحدة، فيما صرّح الرئيس الأمريكى جو بايدن فى بداية المشكلة بأنه يمكن للطائرات الهبوط بأمان، لكن لا يمكنها الإقلاع بسبب هذا العطل، خاصة أن إدارة الطيران الأمريكية لم تعرف سبب هذا العطل؟ ورغم نفى الرئيس بايدن تعرُّض المطارات لهجوم سيبرانى، فإن ذلك لا ينفى هذا الاحتمال، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تعرضت فى منتصف العام الماضى لهجوم سيبرانى أدى إلى تعطل عدة مواقع إلكترونية لمطارات أمريكية تبنت مسئوليته مجموعة قرصنة إلكترونية روسية، هذه المجموعة كانت قد شنت سابقاً عدة هجمات إلكترونية فى الأشهر الأخيرة ضد أهداف غربية، وفى الانتخابات الأمريكية التى فاز بها دونالد ترامب على خصمه الديمقراطى هيلارى كلينتون اتهمت الأخيرة روسيا بالوقوف وراء تزوير الانتخابات بشن هجمات سيبرانية على النظام الانتخابى وتزوير الانتخابات.ومنذ الحرب الروسية - الأوكرانية توالت التحذيرات الدولية من نشوب حرب إلكترونية بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وأوروبا من جهة، خاصة أن هذه الهجمات السيبرانية تُعد واحدة من سيناريوهات الحرب الحديثة، وربما تصبح ضمن أدوات الحرب الدائرة بين موسكو وكييف، إذا ما عرفنا أن الأمن السيبرانى أصبح أحد أهم التحديات التى تواجه البشرية أفراداً ومؤسسات، فى زمن الثورة الصناعية الرابعة، ويكفى أن نعلم أن الجرائم الإلكترونية بأنواعها المختلفة قد كلفت الاقتصاد العالمى أكثر من 6 تريليونات دولار عام 2021 فقط، كى ندرك خطورة هذا التحدى، ويُتوقع أن تصل تكلفة هذه الجرائم على الاقتصاد العالمى لنحو 10.5 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2050 حسب ما ذكرت مجلة الجرائم الإلكترونية (cybercrimre magazine) فى تقريرها مؤخراً، ويزداد خطر القرصنة فى الدول الأوروبية لكثرة اعتمادها على الوسائل الإلكترونية فى تشغيل البنوك والمعاملات الاقتصادية، فقد توقع الموقع السويدى المهتم بتكنولوجيا المعلومات والأمن الإلكترونى (specops) أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية فى المرتبة الأولى عالمياً من حيث التعرض للهجمات السيبرانية، وتأتى بريطانيا فى المرتبة الثانية. إن تأثير الحرب الإلكترونية المحتملة يكمن خطرها فى إفشال البنية التحتية والخدمات المدنية وإفشاء أسرار وبيانات القادة السياسيين والعسكرين والبرلمانات، فضلاً عن تحذيرات تطلق من وقت لآخر من خطورة اندلاع حرب إلكترونية على أمن أوروبا واحتمالية شن موسكو هجمات ضد الأنظمة المالية والطاقة والاتصالات فى أوروبا وأوكرانيا.الحرب السيبرانية تتنامى فى العالم كله، كوسيلة تهديد تُعد الأخطر منذ الحرب العالمية، وتأثيرها أكثر خطورة من الحروب التقليدية، لكن ماذا لو استيقظ العالم على كارثة سيبرانية نووية؟ فمنذ الحرب الباردة كان العالم خلال هذه الفترة تهدده الأسلحة النووية بشكل رئيسى، أما اليوم فقد تحول التهديد لمجالات أخرى، أبرزها الأسلحة التقليدية والسيبرانية، أما الأسلحة السيبرانية فقد صعدت تدريجياً لتصبح مجالاً مهماً فى العلاقات الدولية وأداة لفن الحكم ومصدراً للاحتكاك، وعلى عكس الأسلحة النووية التى تُستخدم فى القتال منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت بعض أشكال الهجمات الإلكترونية على الأقل جزءاً طبيعياً من الحياة حتى وقت السلم، وانتشرت الأسلحة السيبرانية على نطاق واسع ليس فقط بين الدول ووكلائها ولكن أيضاً للعديد من الكيانات الإجرامية، وتم إنشاء الأسلحة الإلكترونية كأداة قسرية فعالة يمكنها إنتاج تأثيرات أكثر تنوعاً، بدءاً من الفضاء المادى، مروراً بالعالم الرقمى، وصولاً إلى المجال المعرفى، ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بات الحديث عن نشوب حرب نووية مثار قلق العالم، والتهديد بها عبر تصريحات المسئولين أصبح أكثر وضوحاً، وأظهرت الأزمة الأوكرانية الأخيرة والاستعراض النووى فى كوريا الشمالية وإيران أن الأسلحة النووية لم تتلاش، بل أصبحت أجندتها تتضافر مع صعود الأسلحة السيبرانية. إن أحد الاحتمالات المشئومة المرتبطة بالتطورات فى عالم الإنترنت هو ظهور الأسلحة السيبرانية كتهديد للعمليات النووية على المستويات المادية والرقمية والمعرفية، فالأسلحة السيبرانية يمكنها تعطيل أو إضعاف أداء الأنظمة المادية المساعدة المرتبطة بالبنية التحتية للأسلحة النووية، مثل إمدادات الطاقة أو أقمار الإنذار المبكر أو تقويض أداء وظائف القيادة والسيطرة النووية على جميع المستويات، بحسب الباحث «آرييل إيلى ليفيت» من برنامج الشئون الدولية والتكنولوجيا بمؤسسة كارينغى، أما عن إمكانية تجنب كارثة سيبرانية نووية فيقول: إن نقطة الانطلاق الطبيعية لمعالجة المخاطر الكامنة فى الصلة بين الفضاء الإلكترونى والنووى هى الاعتراف بوجودها والتفكير فى عواقبها المحتملة.